-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحركة الباديسية.. أمّ الروح الثورية لو تفقهون

الحركة الباديسية.. أمّ الروح الثورية لو تفقهون

في غضون الاحتفالات المخلدة لذكرى ثورة التحرير الوطني، في عامها الواحد والسبعين، ما زال بعض المشكّكين والمغلّطين والمناوئين أيديولوجيّا يثير، عن جهل وقصد فاسد، مسألة علاقة الحركة الباديسية بالخيار الاستقلالي إبان عهد الاحتلال الفرنسي؟

إنّ كل مطَّلع على تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية بمكوّناتها الرئيسة، يدرك، من دون عناء، عمق البُعد الاستقلالي الثوري في رؤية العلماء الجزائريين وجهودهم، بقيادة رائد النهضة، الإمام عبد الحميد بن باديس، ليقف على حقيقة ما بينهما من اتصال وثيق، وإنْ أظهرت المناورات عكس ذلك أحيانًا، تحت إكراه المضايقات الاستعمارية، والتي يثيرها جاحدون حجة مردودة، للنيل من مشروع حضاري أفلح في انتشال أمة من تحت ركام الاستيطان.

لنتفق أوّلًا على أن الثورة الجزائرية لم تكن مجرد حرب تحرير للأرض من السيطرة الاستعمارية، لتحقيق مطالب اجتماعية ومادية وطموحات سياسية للاستقلال، بل كانت إرهاصا واستجابة شعبية وطنية لتحقيق مشروع حضاري بنّاء، يحمل بوادر بعث أمة بكاملها، حاول الاستعمار جاهدا بكل الوسائل ومجنِّدا كل الإمكانات لطمس شخصيتها التاريخية، كما يقول الباحث نصر الدين لعوج.

وحينئذ سيكون لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين القدح المعلّى والسبق الشاهد، فقد طرح الإمام بن باديس فكرة الكيان الجزائري خلال الثلاثينيات، ما يُثبت أن هدفهم البعيد كان سياسيّا، سواء أرادوا ذلك صراحة أم لم يريدوه، على حد تعبير شيخ المؤرخين أبي القاسم سعد الله.

لقد انخرط الاصلاحيون في صراع ثقافي حضاري مصيري يمسّ مستقبل الجزائر السياسي، بالنظر إلى تعارض الدعاية العروبيّة الإسلامية المصاحبة لتعليمهم الحر ولأنشطتهم الإعلامية والدعوية مع هيمنة الثقافة الفرنسية التي يرتكز عليها النظام الاستعماري.

وحارب التيارُ الإصلاحي الفرْنسة والتنصير والخرافات والاندماج والتجنيس، مقابل تعميق انتماء الجزائر إلى العالم العربي والإسلامي وبث الإنتاج الثقافي المشرقي وتبنّي قضية فلسطين، على نقيض الموقف الفرنسي، ما جعل الجزائريين أكثر وعيًا بشخصيتهم الحضارية خارج الدائرة الفرنسية، وفق توصيف المؤرخ بشير ملاح.

ويكفي أن احتفال فرنسا بمئوية غزوها الجزائر و”تشييع جنازة الإسلام فيها”، كما زعم أحد ساستها، كان السبب المباشر الأول لتأسيس جمعية العلماء، لتحصين المجتمع الجزائري ضدّ مخططات الإلغاء والمسخ.

وبرغم التوجّه الديني والإصلاحي للجمعية وتظاهرها بأنه لا علاقة لها بالسياسة، فإننا نجدها في الواقع العملي تقوم بأعمال ظاهرها دينيّ وباطنها سياسيّ، وكان تأثيرها إيجابيّا جدا في تغيير الذهنيات التي أصبحت أكثر تقبّلا واستعدادا لتلبية الدعوة السياسية الاستقلالية، والكلام للمؤرّخ المرحوم أحسن بومالي.

وهو ما أقرّه المستشرق الفرنسي، جوزيف ديبارمي، عندما رأى سنة 1937 أن الجمعية قد “حدّدت أهدافها في إيقاظ الجزائريين من نومهم، لكي يطالبوا بحقوقهم ويأخذوا مكانهم في الحياة الكريمة”.

ولم يخرج المؤرّخ الفرنسي، شارل أندري جوليان، عن الموقف ذاته؛ إذ كان العلماء في نظره يعملون لتطهير الإسلام وتكوين كيان جزائري قائم على الثقافة العربية الإسلامية.

وفي أحد تقارير المسؤولين الفرنسيين، أوائل الخمسينيات، جاء أن العلماء كانوا يمثلون الخطر الأكبر على الفكرة الفرنسية في الجزائر، إذ أنّ شُعب جمعيتهم عبارة عن خلايا سياسية، والإسلام الذي يمارسونه هو مدرسة حقيقية للوطنية، حسب أبحاث سعد الله.

بل ذهب أكثر من ذلك قائلا إنّ الحركة الوطنية الجزائرية ظلت تعتمد على الدين إلى حدّ كبير طيلة العهد الاستعماري، فهو العمود الفقري في كل تحرّك جهادي لها، ومهمّة إحيائه هو ما اضطلعت به الجمعية المباركة.

وفي حديث لجريدة “لوموند”، عدد 8/11/1954، قال ضابط فرنسي: “لقد استطعتُ منذ سنوات، وأنا اشتغل في منطقة الأوراس، أن أتبيّن العمل الذي قام به العلماء الذين كوّنتهم مدرسة قسنطينة (معهد ابن باديس)، إنهم روّجوا مذهبا وطنيّا للإسلام، حتّى نجحوا في جعل المؤمنين يخجلون من التقاليد البالية وحفلاتها وفولكلورها، إنهم بذلك مهّدوا الطريق لأعوان حركة الانتصار للحريات الديمقراطية…”.

وبعيدًا عن مزايدات الفضل في تفجير الثورة، أو رغبات آخرين في تصفية حسابات أيديولوجية مع أيّ طرف، فإنّ الخلاصة الموضوعية هي أنه إذا كان الجناح الثوري للحركة الوطنيّة قد رفع راية الاستقلال، بهدف إعادة الدولة الجزائرية إلى الوجود، فإنّ جمعية العلماء وضعت الأسس التي يقوم عليها هذا الاستقلال، وهو بعث الشعب الجزائري في إطاره العربي والإسلامي، وهي المرحلة الأصعب والأخطر، على رأي المؤرخ ناصر الدين سعيدوني.

لقد فهمت الجمعية نداء التاريخ، فاستجابت لتحدي الواقع الاستعماري، لأنّ الاستقلال قد يأتي فارغا من محتواه في حالة بقاء أنظمة المستعمر ولغته، إذ لا تتطور الشعوب ولا تنمو خارج مقوّماتها الحضارية، من إحساس بالماضي وأمل في المستقبل وانتماء إلى معتقد وثقافة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!