“الديانة الإبراهيمية”.. مشروع صهيوني بأيد عربية!
بادر مجددا مركز “الشهاب” بسطيف (أحد الأجهزة النشطة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) بتنظيم ندوة فكرية دسمة، لتسليط الضوء بالقراءة والتحليل على مشروع “الديانة الإبراهيمية”، مساهمة منه في كشف خلفيات المشروع وأثره على العقيدة والهوية، من خلال نقاش علمي منهجي راق، بمشاركة أساتذة وباحثين بارزين، بهدف بناء وعي يحمي المجتمع من التزييف والتضليل.
وتفاعلاً مع هذا الحدث الفكري القيّم، نرى من الأهمية التعريج في هذه المساحة على جذور فكرة المشروع الهدّام وآليات تسويقها دوليا وإنسانيا، عن طريق التغليف الناعم، حتى تنطلي الخطورة على قاصري النظر والجاهلين بأصول دينهم الإسلامي، والمنبهرين بكل ما يأتي من الغرب المسموم.
ينبغي التذكير بداية، أنه في كل المبادرات التي أطلقتها القوى الغربية تجاه الجغرافيا العربية الإسلامية، خلال العقود الأخيرة، كان القاسم المشترك بينها هو العناوين البرّاقة، لتمويه الخلفيات الاستعمارية المرتبطة بتكريس حالة الهيمنة واستغلال البشرية لخدمة مصالحها، حتى لو اضطرّت إلى تحيين خططها وفق التحولات الكبرى.
لا نزال نذكر مشروع الشرق الأوسط الكبير (الشرق الأوسط الجديد في نسخة أخرى)، والذي جاءت به إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، عام 2004، بعنوان الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لمساعدة المنطقة على الخروج من وضعها المتأزم، لكن الحقيقة لم تكن سوى استباق الانفجارات المتوقعة، بما يتوافق مع الرغبة الأمريكية ويؤمّن وجود إسرائيل ومصالحها الحيوية.
لاحقا، خرجت علينا إدارة ترامب في عهدتها الأولى بـ”صفقة القرن” الواهية، لاحتواء “النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني”، كما يصفونه كذبا وبهتانا، حيث راهن الرئيس، الذي يفكر بمنطق رجل الأعمال، على إغراء الفلسطينيين و”دول الطوق” والأنظمة العربية عموما بدعم اقتصاداتهم، عبر صندوق استثمار عالمي، لكن المرابطين في أكناف بيت المقدس أسقطوها في مهدها عام 2019 ثم بمعركة “الطوفان” الخالدة في 2023.
لم تيأس إدارة البيت الأبيض المتصهينة من الوصول إلى مبتغاها، فطرحت مجددا صيف 2020 ما يسمّى “اتفاقات أبراهام” لتوسيع دائرة التطبيع بين ربيبتها إسرائيل ودول عربية، لكن لم تتبعها سوى الإمارات والبحرين ونظام المخزن، خاصة بعد الوقفة التاريخية للجزائر في وجه الهرولة.
ما يهمنّا أكثر بخصوص “اتفاقات أبراهام” هو اختيار اليافطة بعناية فائقة، ضمن مخطط متكامل ستظهر فصوله الأخطر في فترة لاحقة، بنسبة تلك المعاهدات إلى إبراهيم، أبي الأنبياء، عليه السلام، باعتباره شخصية جامعة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، تمهيدا لتنفيذ الخطة التدميرية في حق المسلمين باسم “الديانة الإبراهيمية” المزعومة.
والآن وصلنا إلى المرحلة الحاسمة بعد ما جرّ المشروع الأمريكي-الصهيوني الأدوات العربية لقيادة الحرب الحضارية على الأمة، والتي تعود جذورها إلى عام 1985، عندما طرح لأول مرّة، الرئيس الأسبق جيمي كارتر، مصطلح “المشترك الإبراهيمي”، والذي سيتطور خلال أربعة عقود من الدراسة المعمّقة في دهاليز الخارجية الأمريكية، ويرسم له دهاقنة الاستراتيجية الأدوات الناعمة للتنفيذ على الأرض، وأبرزها مسارات “الحج الإبراهيمي”، و”فرسان المعبد”، و”الولايات المتحدة الإبراهيمية”، لأجل بسط السلام الديني العالمي، على طريقتهم الاستعمارية، بـ”التركيز على المشترك بين الديانات والتغاضي عما يمكن أن يسبّب نزاعات وقتالاً بين الشعوب”، مثلما تعلنه الأهداف الظاهرة.
ومن دون الخوض في البعد الاعتقادي الأصولي المحسوم لدى المسلم، في كوْن الإسلام وحده الدين الحقّ ومحمد، عليه الصلاة والسلام، خاتم الأنبياء والرّسل، وما سوى ذلك فهو باطل لا يجوز الانخراط فيه، فإنّ الباحثة المصرية، هبة جمال الدين العزت، صاحبة كتاب “الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي”، تؤكّد على أن المشروع مخطط استعماري للقرن الجديد، وهو “مجرد طرح بديل لأفكار فرانسيس فوكوياما وصامويل هنتنغتون، يحمل نفس الغاية الصدامية التي تُعلي من هيمنة الغرب وتحقيق مصالحه بالأساس”.
وتشرح المؤلفة فكرتها بالقول إنّ هدف “المشترك الإبراهيمي”، هو خلق ولاءات جديدة لإزالة الحدود والانتماءات، وترسيخ مفهوم “المواطن العالمي” ليكون ولاؤه غير مرتبط بالأرض، وإنّما تحت مدخل محبّب ومقبول للنفس، ألا وهو “المشترك الروحي”.
ومن جهته، الكاتب هاني طالب، يقول في دراسة نشرها مركز “دراسات الوحدة العربية”، إنّ “مصطلح الديانة الإبراهيمية في طياتها معان مقبولة، مثل التعايش والسلام، ولكن استعمالها إنما هو تمرير للمعاني الباطلة، التي تتمثل بأهداف مروّجيها بتمزيق مكوّنات وروابط الهوية الإسلامية والعربية لدول المنطقة، وبالتالي تيسير السيطرة والتحكّم بها وبشعوبها لصالح إسرائيل”.
أي أنّ الهدف النهائي للمخطط هو “تغييب التناقض الوجودي بين المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني العنصري وبين الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني والعربي عموماً في المنطقة”.
بمعنى آخر، كسر الحواجز العقدية والدينية والنفسية والأخلاقية بين اليهود الصهاينة العنصريين الاحتلاليين وبين شعوب المنطقة العربية الإسلامية، بعد إسقاط عقيدة “الولاء والبراء”، والتمكين لمفهوم التعايش المواطني المزيّف، لترسيخ الوجود الإسرائيلي في الأراضي المقدسة والبلدان العربية عموما عن طريق التطبيع الشامل، متجاوزا الأبعاد السياسية الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية إلى العمق الثقافي والفني والرياضي والديني والشعبي، حتى تذوب نهائيا كل الفواصل بين الطرفين، رغم التناقض الجوهري القائم بينهما.
ولعلّ من المؤشرات الواضحة على ذلك، دخول الصهاينة حاليا إلى بلدان عربية كثيرة ونشاطهم فيها بكل أريحية، ومن دون إثارة أي ردّ فعل، بسبب التدجين الممارس على الوعي الجمعي.
ومن الدلائل أيضًا هو أن تكون الجهات العربية المبادرة بالتنفيذ العملي لمشروع “الديانة الإبراهيمية”، والراعية لمؤسساته وفعالياته، هي نفسها تلك المتآمرة جهارا نهارا لتصفية القضية الفلسطينية وتحييد الإسلام عن حياة الأمة، وإدخال أقطارها في حروب داخلية ونزاعات ضمن الأجندة الوظيفية الصهيونية.