-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“الذاكرة بالتقطير”.. نهاية فرصة ماكرون مع الجزائر!

“الذاكرة بالتقطير”.. نهاية فرصة ماكرون مع الجزائر!

لم ينتظر الغرّ الفرنسي إمانويل ماكرون أكثر من 50 يومًا ليمارس مجددا هوايته السياسية الساقطة في المناورة على حبل الصحراء الغربية، لاستفزاز الجزائر ومحاولة ابتزازها في موقفها السيادي تجاه الذاكرة الوطنية.

بتاريخ 09 سبتمبر الفائت، بادر ماكرون، في ظل قطيعة رسمية بين البلدين، بتقديم “أحر التهاني” للرئيس عبد المجيد تبون بمناسبة إعادة انتخابه، ونقل الإليزي في بيانه أن باريس “متمسكة بشكل خاص بالعلاقة الاستثنائية مع الجزائر في كل المجالات، وعلى رأسها الذاكرة والاقتصاد…”، مؤكدا “العزم على مواصلة العمل الطموح مع الرئيس تبون بحزم لتجديد الشراكة الثنائية”.

في مقابل ذلك، يختار حاكم فرنسا تاريخ الذكرى السبعين لثورة التحرير، متوجّها عشيته إلى الرباط، وأخذ يوزع هناك صكوك السيادة المزعومة على الصحراء الغربية خارج مقررات الشرعية الدولية، ويزيد عليها بوعود الاستثمارات الفرنسية في الإقليم المحتلّ.

في التوقيت ذاته، لا يجد الهاوي الدبلوماسي حرجًا في الاعتراف المتأخر جدا بتصفية آبائه السفاحين للقائد البطل العربي بن مهيدي، مستكملًا بذلك “لعبة التقطير” في التعاطي غير الجادّ مع ملف الذاكرة.

في الواقع لا شيء مستغرَبٌ حتى الآن في كل ما حصل من مؤشرات متناقضة في إدارة السياسة الفرنسية بين الجزائر والمغرب، لأنّ باريس تواجه مع الخصم الأول دولة عنيدة مشبَّعة بتاريخ الثورة، لا تقبل المساومة على مبادئها ولا التنازل عنها مهما كانت الظروف، بينما لقيت ضالتها مع نظام المخزن في تقبّل الرشاوى الدبلوماسية والاقتصادية، لإسعاف ملَكيّة تترنح تحت غضب الشارع المتفجر وصراع قاتل على الخلافة.

لقد كان واضحا منذ بداية زيارة ماكرون إلى الجزائر صيف 2022، أنّه اصطدم بتمسك القيادة السياسية القوي بأجندتها الوطنية، لإعادة تفعيل الشراكة على قاعدة “اتفاق التعاون والصداقة 2012″، بسبب تعنُّت الفرنسيين وعدم استيعابهم دروس التاريخ وتحوُّلات الواقع الجزائري والإقليمي والدولي.

وقتها جاء الاشتراط الجزائري على لسان الرئيس تبون صريحا من دون مداهنة ولا دوران، حين وضع النقاط على الحروف بخصوص العلاقة مع فرنسا، تحت شروط إلزامية، عناوينها “الذاكرة والسيادة والمصالح المشتركة”؛ إذ يستحيل التطلع إلى بناء شراكة شاملة ولا متميزة على حساب التاريخ ولا القرار الداخلي ولا مصالح بلادنا في الإقليم.

وعوض أن يفهم ماكرون الرسالة كاملة وبصورة صحيحة، آثر المناورة المكشوفة بالتقدُّم على طريق مصالحة الذاكرة بخطوات عرجاء، عبر اعترافات جزئية خجولة وبالتقطير، آخرها الإقرار باغتيال بن مهيدي، من دون الجرأة على قول الحقيقة الكاملة كما هي، ناهيك عن مواجهة آثارها.

هكذا يُثبت ماكرون في كل فرصة متجدِّدة أمامه أنه ليس سوى نموذج قبيح للفرنسيين المناورين، والذين يتوّددون، في كل مناسبة من التوتّر بين البلدين، لإحداث التقارب ورأب الصدع الدبلوماسي، بحثًا عن مصالح بلاده الضائعة، غير أنه سرعان ما ينقلب على عقبيه، جبرا لخواطر الاستعماريين الجدد.

ماكرون لم يفعل شيئا ذا قيمة حتى الآن قياسًا بمن سبقوه سوى تصريحات ومبادرات رمزية انتقائية، تجسِّد في طياتها هروب فرنسا من جريمتها الكبرى في الجزائر، موازاة مع طعنها في ملفات إقليمية إستراتيجية بالنسبة لأمنها القومي، وإشهار أوراق محترقة للمساومة باسم “قضايا” الأقدام السوداء والأملاك الشاغرة وما جرى غداة وقف إطلاق النار.

وإيمانويل ليس استثناءً بهذا الصدد، إذ أن جميع قادة فرنسا يتهرَّبون من إدانة الاحتلال الفرنسي في الجزائر جملة وتفصيلا، لأنّ ذلك لو حدث فسينسف الأطروحة الاستعمارية الكاذبة عن “المَهمَّة الحضارية” المزعومة لجيوش الغصب والنهب وقطعان اللصوص، التي قتلت الإنسان والحيوان والنبات وسمّمت الأرض وسرقت كل ما وقع بين يديها من كنوز وأموال، وهدمت الجوامع وحوّلتها إلى إسطبلات وأحرقت الكتب، ولم تسلم منها حتى المقابر، إذ نبشتها وهرّبت عظامها إلى مصانع الصابون بمرسيليا.

إنّ ماكرون وكل هؤلاء الفرنسيين الوقحين الذين لا يزالون يحملون الحقد الدفين على شعب الثوار لا يمكنهم أن يتخلّصوا من بقايا كبريائهم الاستعماري المجروح، ليستوعبوا نهاية ماضيهم المشؤوم وتقدّم عجلة تاريخ الجزائر نحو المستقبل الزاهر، كما كان يردِّدها الشهيد البطل العربي بن مهيدي، وليس منتظرا منهم ذلك إلا بمواصلة سياسة النديّة والإباء الجزائري.

مهما كانت إكراهات السياسة العابرة، فإن الشعب الجزائري سيبقى متمسّكا بحق الاعتراف والاعتذار والتعويض عن جرائم فرنسا في بلاده، ويستحيل التطلّعُ إلى بناء علاقات طبيعية، ناهيك أن تكون متميزة، فوق جماجم الشهداء وذاكرة الدم المهدور.

يستحيل اليوم بناء مسار ثقـة، والتطلّع نحو إرساء علاقات تعاونٍ دَائم ومثمرٍ، من دون تسوية نهائية لملف الذاكرة والتاريخ، لأنّ دماء الآباء والأجداد وحرمة الأرض المنتهَكة وخيرات الوطن المسلوبة لن تذهب هدرا على يد الأسلاف في عهد السيادة.

انطلاقا من ذلك، فإنَّه لا يمكن أبدا أن نراهن على توبة الفرنسيين وتحرُّرهم من عقدة الوصاية وسلوك الغدر، بل على الجزائريين مواصلة مسارهم الجديد بإنهاء النفوذ الفرنسي في كل المجالات، خاصة الثقافية والاقتصادية منها، وتعزيز الانفتاح الخارجي نحو آفاقٍ أرحب وأكثر براغماتية، ضمن تنويع محاور الشُّركاء الإقليميين والدوليّين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!