-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الصحراء غربيّة… وأيّ سلام يريده اللئام؟!

الصحراء غربيّة… وأيّ سلام يريده اللئام؟!

ما تمخّض عنه مجلس الأمن من قرار باطل بخصوص أطروحة “الحكم الذاتي” في الصحراء الغربية خطة مكشوفة من البداية، وغير فعالة على المدى البعيد في تسوية النزاع الصحراوي، ولا تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة المغاربيّة، مثلما يريد الأمريكيون الغرباء عن الإقليم فرْضه بمنطق الصفقات والأعمال.

ينْبغي التوضيح للرأي العام أنّ ما قرره مجلس الأمن، على بطلانه القانوني وتحيزه المفضوح وانتهاكه لمواثيق الأمم المتحدة، فإنه لن يغير شيئا على أرض الواقع، طالما تمسك أصحاب القضية بأرضهم واستقلالهم.

وإذا شئْنا التفصيل على المستوى التقني لمنطوق القرار الأممي الجديد، فإن مرتكزه الرئيس لا يزال نفسه، وهو تقرير المصير للشعب الصحراوي، المعترف به في اللائحة، بينما يأتي مقترح “الحكم الذاتي” ضمن الحلول الممكنة، كقاعدة للتفاوض بتوافق الطرفين، وهذا يعني بكل بساطة أن الصحراويين سيحسمون في رفض هذا العرض الزهيد بكل سيادة، لتعود الكرة حينها إلى مرمى المجتمع الدولي، ثمّ تظل المسألة عالقة إلى غاية الاستجابة الإلزاميّة للحل العادل والدائم، وفق البند السابع للأمم المتحدة المرتبط بتصفية الاستعمار، وهو المسار الأصلي للملف الصحراوي.

مع ذلك، راح نظام المخزن يروّج لانتصار تاريخي على “البوليساريو”، ومن يصفهم بأعداء “الوحدة الترابية”، لأنّ المسعى الأمريكي الصهيوني من إدراج المقترح الوهمي في هذا التوقيت السياسي المغربي بالذات، هو إنقاذ المخزن والقصر العلوي، من الانهيار على وقع الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة، مكافأة له على اندماجه الكامل في التطبيع الإسرائيلي، بل المشاركة المتقدمة في إبادة الفلسطينيين، وخدمة النظام العالمي الإمبريالي بكل جرأة طيلة عقود طويلة.

واستكمالاً لعملية التخدير الداخلي، تمّ إخراج جزء من المواطنين في شوارع المغرب للاحتفال بنصر خيالي، خطّه الحِبر الأمريكي على ورق مراحيض مجلس الأمن، في محاولة لاحتواء الغضب المنفجر منذ أسابيع ضد الفساد والاستبداد، لكن مفعول المسكّنات الموقتة سينتهي سريعًا بالاستيقاظ على أكذوبة الفوز الدبلوماسي وانفجار الشارع مجدّدا على النظام المتهالك، وقد بدأت نداءات المحتجين تتصاعد لاستئناف التظاهرات.

أمّا ما يتعلق بالجارة الشرقيّة الكبرى، والتي يهلل النظام الوظيفي المغربي، بحماقة وصلافة وجه، للتفوق الدبلوماسي عليها، فإنها لم تكن يومًا طرفًا في النزاع الصحراوي، بل رفضت بإرادتها، والجميع يعلم ذلك، أي أطماع في الإقليم منذ سبعينيات القرن الماضي، وستظلّ اليوم وغدا في طليعة المدافعين عن القضايا العادلة ومبادئ القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، ولن يضيرها، في شيء، اصطفاف قوى المصالح الدوليّة ضدّ مواقفها الأخلاقيّة، لأنّ الأهم في سياستها الخارجية هو الوفاء لمرجعيّة ثورتها التحريريّة، ولن تبيع شرفها التاريخي بمكاسب آنيّة ضمن سياقات مضطربة بموازين قوى متحرّكة، ناهيك على أن تتواطأ مع الاستعمار ضدّ الشعوب المضطهدة.

مع وثوقنا التامّ، وفق تجارب التاريخ، أنّ مصير القضية الصحراويّة العادلة، لن يكون إلا عن طريق الاستفتاء الحرّ ونيل الاستقلال الكامل، فإنّ الجزائر لن تخسر شيئا، في كل الأحوال، وهي تتشبث بمواقفها المبدئيّة ودبلوماسيتها الأخلاقية، إذا ما فكّر الآخرون في خلاف ذلك، لكنهم سيزجّون بالمنطقة المغاربيّة، والساحل الإفريقي عموما، إلى مزيد من التوتّر الخطير، والدفع بها إلى أتون الاضطراب، وحتّى الحرب المسلحة، لأنّ الصحراويين لن يستسلموا لقدرهم التحرّري بالقهر الدولي، بل، من المؤكد، أنهم سيثورون من جديد، للدفاع عن حقهم التاريخي في الأرض، ولن تفلح، حينذاك، قوات حفظ السلام، ولا جيوش ترامب في كبح جماح الثوّار، لأنّ عقيدة البقاء ستكون أقوى من كل سلاح.

إنّ ذلك السيناريو الأسود، والذي لا نتمنى وقوعه، هو ما يضع حديث الأمريكيين عن السلام بين الجزائر والمغرب في مهبّ الرياح، وقد كانوا يمنّون النفس بإنجازه خلال 60 يومًا، ربّما اعتقادا منهم أنّ العملية تشبه توقيع صفقة استثمار عقاري أو نهب للفوسفات في سواحل المحيط الأطلسي.

يوم أعلنت الجزائر، بمرارة قاسية، عن قطع علاقاتها الدبلوماسيّة مع الجارة العدوانية في 24 أوت 2021، لم تكن أبدا القضيّة الصحراوية على أجندة الأسباب الكامنة وراء القطيعة، لأنها ظلت دائمًا تعتبرها مسألة أمميّة قابلة للحل التفاوضي بين الشعبين على قاعدة تقرير المصير، ولا تستوجب على الإطلاق حالة العداء الجواري.

إنّ الخلفيات الفعلية للأزمة بين الجزائر والمغرب الآن هي إقحام الكيان الصهيوني في خلافات محليّة بالمنطقة، وفتح الإقليم أمام أجهزته الاستخباراتية وقواعده العسكرية، وجعلها بذلك مكشوفة أمام عدو الأمة العربيّة، والمستهدف الأول، بطبيعة الحال، هو الجزائر وليس “البوليساريو”.

حرب المخدرات الممنهجة على الجارة الشرقيّة، برعاية القصر وجنرالات الجيش الملكي، هي السبب الآخر الرئيسي في مراكمة التوتر المزمن، ناهيك عن الحملات العدائية التي تقودها “الكلاب الإلكترونية” للمخزن وأبواقه الإعلامية وأجهزته الدبلوماسية ضدّ الجزائر.

أن يصل الحقد المغربي على كل ما هو جزائري، إلى درجة حجْب سفير المخزن بالأمم المتحدة راية الجزائر بالعلم الأمريكي، أمام أعين الصحافة الدوليّة، فهذا يعني أنّ السلام المتطلع إليه سيبقى مفقودا إلى إشعار طويل.

ربّما ظنّ الحقود، عمر هلال، أنّ المغرب سيعيد رسم الجغرافيا وكتابة التاريخ بالاستقواء الأمريكي والصهيوني، بينما غاب عن إدراك الدبلوماسي الجهول أنّ أمريكا انهزمت في فيتنام والعراق وأفغانستان والصومال واليمن، بينما يصارع الكيان الإسرائيلي منذ 75 عاما لإرساء “دولة” الاستيطان العرقي، لكنه فشل حتى الآن في استئصال الفلسطينيين.

لذلك، ستبقى الصحراء غربيّة، ولن تلحقها أي قوة جبروتيّة، عُنوة، بالمغرب، أمّا السلام مع الجزائر، فهو منفصل عن النزاع الصحراوي، ولن يُفرض بإرادة خارجيّة، بل بإحلال شروطه الموضوعيّة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!