الصورة الذهنية وكريمينولوجيا الفعل الجنائي
ما يصدر منا من سلوكيات وتصرفات من المتفق عليه أنه يصدر بناء على قاعدة بيانات يستند إليها، ما يجعلها المصدر الأساسي لما يصدر منا ليتجلى في الخارج ويظهر للآخرين أو يترجم بتعبير آخر على شكل تصرفات، ومن هنا تظهر الأهمية البالغة لتلك القاعدة البيانية التي يستند إليها تحرُّك السلوك البشري لمرحلة الفعل، وبما أن هذا السلوك يكون مصدره تلك القاعدة ولابد أن يكون لها تأثيرٌ كبير في طبيعة ما يصدر وما يترجم ويظهر وحتى في طريقة الصدور، فكيف يكون لهذه القاعدة البيانية المسؤولة عن مصدر السلوك كل هذا الأثر؟
من الواضح أن كل ما نقوم به من تصرُّفات يخضع بدرجة كبيرة إلى ما نفكر فيه وبه، أي كل اعتقاداتنا تؤدّي دورا كبيرا في تصرفاتنا وسلوكياتنا، فتصرفات الإنسان هي وليدة أفكاره وإدراكاته، وكل هذا يوسم حديثا بمصطلح “البارادايم” أي مجموع المشكلات الإدراكية للفرد أو بصورة مبسطة صورة الفرد وانطباعاته الفكرية حول موضوع معين أو موقف معين، ولكل هذه المشكلات دورٌ كبير في ترجمة ما يفعله الإنسان ويقوم به، فعند تتبعنا لتصرفاتنا وبطريقة بسيطة نجد أنه قبل كل فعل نقوم به توجد فكرة أو صورة تساهم في دفع خروج التصرف منا، مثلا خلال فعل تناول القلم والكتابة على ورقة توجد رغبة التعبير عن فكرة ما على هذه الورقة، وهذه الفكرة تمثل العتبة المضافة لأجل دخول السلوك حيز الفعل، أو كأن يقوم الفردُ بتشغيل محرك السيارة، فقبل الفعل مباشرة نجد أن فكرة تنقُّله إلى مكان ما تكون الدافع لقيامه بتشغيل المحرك، وكل هذا نستطيع أن نطلق عليه الصورة الذهنية، وتختلف مكوناتها ودلائلها حسب عمق الموضوع المتعلق بها، ففي المثال السابق تناولنا نموذجا مبسطا لآلية عمل الصورة الذهنية في دفع وإسناد عملية القيام بالفعل، وتتعقد العملية بتعقد المجال والموقف؛ فالصورة الذهنية هي ما ينطبع في ذهن البشر من اعتقادات وأفكار تشكل رؤيته الذهنية لموضوع من المواضيع، ويمكن تعريفها أنها “المخزون المتراكم من الأفكار والانطباعات والأحكام الموجودة في ذهن الإنسان والتي تكونت بفعل قدرات حسية مباشرة وغير مباشرة” (1).
وبما أن الصُّورة الذهنية تؤدّي كل هذا الدور المهم في التصرف والتحكُّم في سلوكيات البشر، لابدَّ من تسليط الضوء عليها وميكانيزمات عملها، ذلك أنه انطلاقا من كون أن السلوك أو الفعل يتأثر بها، وأن العلاقة بينها وبين التصرُّف علاقة مصدرية، إذن ستكون طبيعة الفعل من طبيعة الصورة الذهنية الدافعة له، أي أن الفعل يُؤخذ طبيعة الصورة الذهنية، وكلّما كانت إيجابية كلما كان الفعل إيجابيا والعكس صحيح، وعند تناول مجمل الآفات التي يعاني منها المجتمع وتنخر جسده نجد أن لكل ظاهرة سلبية صورة ذهنية سلبية داعمة للفعل السلبي، وقد تكون فردية تعبّر عن فعل فردي كما تكون صورة ذهنية جمعية تعبّر عن فعل جمعي وسط جماعة يخلق لديهم التأثر بالتيار الجماعي ويجعل الذهنية قابلة للتأثر واستقبال عادات وتقاليد جديدة(2)، وهنا تكمن خطورة الصورة الذهنية السلبية في خلق المناخ للآفات وانتشارها كما تكون أرضية لكل هذه الظواهر والتي تُؤخذ في جزء من نمطيتها موضوع مقالنا هذا والذي هو الفعل الجنائي، إذ أن الصورة الذهنية العاتمة تعدّ مصدرا رئيسيا للفعل الجنائي كما أن هذا الأخير يعدّ محصلة لخصوصية الشخصية والتي تعكس نمط تفكيره (3).
عندما نأتي لتطبيق المثال المبسط الوارد أعلاه نجد أنه قبل كل فعل جنائي توجد صورة ذهنية جد سلبية تدفع هذا السلوك للظهور والممارسة، ومن أجل الحد من هذه السلوكيات وجب الإحاطة بميكانيزم الصورة الذهنية وخصوصا الجمعية منها والتي تكون أخطر من الفردية، على اعتبار أنها تخلق سلوكا جمعيا، مثل التطرف والتجمهر وغيرها من الأفعال الجمعية التي تكون بمثابة عدوى سلوكية سريعة الانتشار.
وعندما نأتي لتطبيق المثال المبسط الوارد أعلاه نجد أنه قبل كل فعل جنائي توجد صورة ذهنية جد سلبية تدفع هذا السلوك للظهور والممارسة، ومن أجل الحد من هذه السلوكيات وجب الإحاطة بميكانيزم الصورة الذهنية وخصوصا الجمعية منها والتي تكون أخطر من الفردية، على اعتبار أنها تخلق سلوكا جمعيا، مثل التطرف والتجمهر وغيرها من الأفعال الجمعية التي تكون بمثابة عدوى سلوكية سريعة الانتشار، وكدليل على هذا نتناول دور الدعاية في خلق توجه عامّ وجمعي ومن ثمة تتدرج الأمور لخلق التصرف الجماعي أو الجمعي، ذلك أن الدعاية تتمكن من خلق صورة ذهنية جماعية، صحيح أنها في تركيبتها تختلف في جزئيات راجعة لفروق فردية، مثلا على مستوى الأهداف قد نجد لكل فرد من الجماعة هدفا خاصا به ولكن في عمومياتها تكون صورة ذهنية واحدة خلقت توجها واحدا ومشتركا، وهنا مكمن خطورة الصورة الذهنية التي تخلقها الدعايات ولاسيما عندما تكون دعايات هدامة للمجتمع ومثيرة لسكينته.
ومن هذا كله نستنتج أن للصورة الذهنية بالغَ الأثر في توجيه سلوك الفرد، والسلوك الجنائي هو نوع سلوكي ينتج كذلك عن الصورة الذهنية، لذا وجب أن نعالجه بمعالجة الصورة الذهنية لدى الأفراد ولدى الجماعات، وذلك بالعمل على توجيه الأفكار نحو ما هو إيجابي ومكافحة ما هو سلبي من شأنه أن يصنع صورة ذهنية سلبية من أجل مكافحة كل ما هو متطرف ويغرس الصورة الذهنية المتطرِّفة ووجب تدعيم فرق متخصصة بمحلّلين سلوكيين من أجل محاصرة كل ما هو هدام وكل ما هو عدوى سلوكية تستهدف تعتيم الصورة الذهنية لأغراض خطيرة وهدامة للأوطان واستقرارها.
المـــــراجـــــع:
(1): باقر موسى، الصورة الذهنية في العلاقات العامة، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن عمان، ط1، 2014، ص 56.
(2): حسن حميد، الذهنية العربية ثوابت ومتغيرات -مقاربة معرفية، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2009، ص 168.
(3): الحسين عمروش، تفسير السلوك الإجرامي في نطاق علم النفس الجنائي، دفاتر البحوث العلمية المجلد9، عدد2، ص 168.