القارورات الزجاجيّة وسط الغابات… شرارة قد تأتي على الأخضر واليابس
بمجرد إطفاء حريق، من تلك المشتعلة حاليا، يكشف الحريق عن وجه آخر وهو ظهور أكوام من القوارير الزجاجية بين الركام، ما يهدد بتجدد ألسنة اللهب، وعدم استعادة الطبيعة لأنفاسها، خاصة زجاجات المشروبات الكحولية، التي تركها الزوار مرمية بين الأشجار والأحراش. وقد تكون هي الشرارة التي تسببت في اندلاع عشرات الحرائق عبر مختلف ولايات الوطن.
ورغم أن الغابات قادرة، عبر الزمن، على تجديد نفسها واستعادة توازنها البيئي، فإن الخطر الحقيقي يكمن في السلوكيات البشرية التي تهدد هذا الإرث الطبيعي وتنسف جهود التنمية الريفية التي استمرت لعقود طويلة. وجهود رعاة التشجير.
ومَان: منع إدخال القوارير الزجاجية إلى الغابات وتنظيم استرجاعها من بين أهمّ الحلول
ولا يدرك كثيرون أن القوارير الزجاجية الملقاة عشوائيا في الغابات لا تمثل مجرد نفايات مشوهة للمنظر الطبيعي، بل تتحول خلال فصل الصيف إلى مصدر حقيقي للحرائق.
فمع ارتفاع درجات الحرارة، تعمل قطع الزجاج والقوارير الشفافة كعدسات مكبرة تجمع أشعة الشمس وتركزها على الأعشاب اليابسة والأوراق الجافة، ما قد يؤدي إلى اشتعال النيران في غضون دقائق قليلة.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة خلال فترات القبة الحرارية التي تشهدها الجزائر كل صيف، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، وتصبح الغابات أكثر هشاشة وقابلية للاشتعال.
وفي ظل الرياح الجافة والحرارة المرتفعة، تكفي شرارة صغيرة لتحويل مساحات واسعة من الغطاء النباتي إلى رماد.
ولا يقتصر أثر الحرائق على الأشجار والحيوانات البرية فقط، بل يمتد إلى الإنسان الذي يعيش في هذه المناطق ويعتمد عليها في نشاطه الزراعي والمعيشي.
فمثلا في المنطقة الجبلية بحمام ملوان وبدواوير ولاية سكيكدة وغيرها من المناطق الجبلية، وقف أصحاب الأراضي والسكان عاجزين أمام ألسنة اللهب التي التهمت أجزاء من محيطهم الطبيعي، وقضت على محاصيلهم وحيواناتهم، وهم يدركون أن إعادة بناء ما دمرته النيران قد تستغرق سنوات طويلة.
ويؤكد مختصون في المجال البيئي أن الجبال والمناطق الريفية تمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي، وهو ما دفع منظمة اليونسكو إلى تسليط الضوء على أهمية النظم الجبلية ودورها في تحقيق التنمية المستدامة.
فالقرى الجبلية ليست مجرد فضاءات سكنية معزولة، بل هي خزانات للإنتاج الزراعي والتنوع البيولوجي، ومصدر مهم للثروات الطبيعية التي تقوم عليها معيشة آلاف العائلات.
ولعل ما يثير القلق أكثر هو أن جانبا كبيرا من هذه الحرائق يمكن تفاديه عبر احترام قواعد بسيطة، تبدأ بعدم ترك النفايات في الطبيعة. فالقارورة الزجاجية التي تبدو بلا قيمة بعد استعمالها قد تتحول إلى قنبلة موقوتة تنتظر فقط شعاع شمس حار لإشعال كارثة بيئية. كما أن أعقاب السجائر، وإشعال النيران للشواء، ورمي المخلفات البلاستيكية، كلها سلوكيات تسهم بشكل مباشر في تهديد الغابات.
ويطالب ناشطون في المجال البيئي بتشديد الرقابة داخل الفضاءات الغابية، وتكثيف حملات التوعية الموجهة للمصطافين والزوار، خاصة خلال موسم الاصطياف، إلى جانب فرض عقوبات صارمة على كل من يتسبب في تلويث الغابات أو تعريضها لخطر الحرائق.
المنتجون مطالبون بتمويل عمليات الاسترجاع والرّسكلة
ويرى المدير العام السابق للوكالة الوطنية للنفايات والخبير في إدارة النفايات والاقتصاد الدائري، كريم ومان، في تصريح لـ”الشروق”، أن الحدّ من الانتشار الكبير للقوارير الزجاجية داخل الغابات والمساحات الطبيعية، يتطلب اعتماد إجراءات عملية وصارمة تجمع بين الردع والتنظيم والتحسيس، خاصة في ظل المخاطر البيئية الكبيرة التي باتت تشكلها هذه المخلفات خلال فصل الصيف.
وأوضح المتحدث أن من بين أهم الحلول المطروحة، منع إدخال القوارير الزجاجية إلى الغابات والأماكن الطبيعية التي تشهد إقبالا كبيرا من العائلات والمصطافين، مع فرض عقوبات صارمة على كل شخص يقوم بتركها في الطبيعة أو التخلص منها بطريقة عشوائية.
وأكد أن هذه القارورات لا تشوه المنظر العام فحسب، بل تتحول أيضا إلى مصدر حقيقي للخطر، لاسيما خلال موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، حيث يمكن أن تسهم في اندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة.
الإشكال في القارورات الُملوّنة
وأشار ومان، إلى أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الجانب الردعي فقط، بل تتطلب أيضا إعادة تنظيم شعبة استرجاع وتثمين الزجاج على المستوى الوطني، من خلال إشراك مختلف المتدخلين، وعلى رأسهم الشركات المنتجة للمشروبات والمواد المعبأة في القوارير الزجاجية. وقال في هذا السياق “يجب أن يساهم أصحاب الشركات المنتجة لمختلف القوارير الزجاجية في تمويل عمليات الاسترجاع والرسكلة التي يقوم بها شباب ومؤسسات ناشئة، نظرا للتكاليف المرتفعة التي تتطلبها هذه العمليات، خاصة وأن التشريع الجزائري يلزمهم بتحمل جزء من هذه المسؤولية”.
وأضاف الخبير في إدارة النفايات والاقتصاد الدائري أن غياب منظومة فعالة لاسترجاع الزجاج في الجزائر يعود، من بين أسباب أخرى، إلى طبيعة القوارير المستعملة واختلاف ألوانها. فالقوارير الشفافة، بحسبه، تعد الأسهل من حيث الجمع وإعادة التدوير، بينما تطرح القوارير ذات اللونين الأخضر والبني تحديات تقنية ولوجستية أكبر، وهو ما جعل العديد من الفاعلين يعزفون عن الاستثمار في هذا المجال.
ورغم هذه الصعوبات، أكد ومان أن العديد من الدول نجحت في إيجاد حلول مبتكرة لمعالجة مختلف أنواع الزجاج وإعادة تثمينها، سواء عبر إنشاء مراكز متخصصة للفرز أو من خلال اعتماد نظام استرجاع القارورات مقابل مبالغ رمزية تشجع المواطنين على جمعها وإعادتها، معتبرا أن تبني مثل هذه التجارب من شأنه أن يخفف العبء البيئي ويحافظ على الثروة الغابية في الجزائر.