-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في معرضها بمعهد العالم العربي بباريس

بسكرة بغير العيون الإستعمارية

الشروق أونلاين
  • 3256
  • 0
بسكرة بغير العيون الإستعمارية
الأرشيف

فانون، رسامون، مصوّرون، سينمائيون ذلك ما تضمنه معرض مدينة بسكرة في متحف معهد العالم العربي بباريس في الفترة من 23 سبتمبر 2016 إلى 25 جانفي 2017.

إنه إعادة اكتشاف بوابة الصحراء الجزائرية مدينة بسكرة من خلال رؤية أخرى بعيون غير العيون الاستعمارية، ذلك ما عبر عنه مدير معهد العالم العربي بباريس والوزير السابق للثقافة والتربية الفرنسية وصاحب مؤلفات عديدة في الميادين الثقافية والعلمية والسياسية السيد جاك لونج – Jack Long.

إنه الجمال والتاريخ والأصالة ذلك ما تناوله الفنانون العالميون الذين اشتهرت بهم مدينة بسكرة في القرنين التاسع عشر والعشرين والمجسّد في اللوحات الساحرة الرائعة التي أدهشت الزوار المتوافدين على المعرض بعشرات الآلاف باعتراف المشرفين الفرنسيين على المعرض، حيث يقول محافظ التظاهرة السيد روجي بن جمان أستاذ التاريخ في جامعة سيدني: إن الفنانين والرسامين الغربيين خلدوا مدينة بسكرة وتاريخها في تلك الحقبة عندما اهتموا في لوحاتهم ورسوماتهم بحياة السكان الأصليين الاجتماعية والثقافية بكل موروثها الحضاري الإنساني المحلي الأصلي دون إبداء أي اهتمام بالوجود الاستعماري بالمدينة آنذاك لأنهم كانوا يبحثون عما هو غير موجود لديهم في البلدان الأوروبية الغربية، وتلك هي مميزات مختلف اللوحات المعروضة في هذه التظاهرة الفريدة من نوعها، والتي بكل تأكيد أعادت الاعتبار التاريخي والحضاري والسياحي لعروس الزيبان وبوابة الصحراء، كحاضرة تاريخية ثقافية وليست واحة لإنتاج أحسن أنواع دقلة نور فقط.

فكيف جاءت فكرة إقامة هذه التظاهرة الثقافية الحضارية وفي إحدى أهم المنصات الفكرية العالمية المتمثلة في معهد العالم العربي بباريس؟ وماهي أهم محتويات المعرض على تنوّعها وقيمتها التاريخية والفنية بالنسبة لمدينة كانت تمثل الإلهام والإبداع للفنانين والرسامين والسينمائيين في القرنين الماضيين بعيدا عن الرؤية الاستعمارية والذين كانوا يتوافرون ويترددون على بوابة الصحراء وعاصمة الزيبان بسكرة؟

ثم ما مدى التكامل بين هيئات الدولة الثقافية والدبلوماسية من جهة والدعم الاستثنائي الذي أبداه جامع التحف والآثار واللوحات الفنية ومموّل التظاهرة من جهة ثانية؟

هذه الأسئلة وغيرها سنحاول من خلال الإجابة عليها وضع القارئ الكريم في الصورة حول مجريات تظاهرة بسكرة في مدينة باريس وعلى مدار أربعة أشهر كاملة عرفت زيارة أكثر من 25 ألف زائر بعد أن كانت التوقعات تتراوح بين 10 إلى 12 ألف زائر.

البداية كانت منذ نحو سنتين عندما نشر الأخصائي العالمي في عالم الاستشراق وأستاذ التاريخ في جامعة سيدني الأسترالية السيد روجي بن جمان مقالا تحت عنوان “القنطرة” والتي هي مدينة تابعة حاليا لولاية بسكرة ومعروفة بواحاتها ومناظرها الخلابة، حيث استرعى انتباه مدير المجلة ذكر لوحة فنية فريدة لا تعكس واقع المستعمر آنذاك من إبداع الفنان “هنري جيراردي” سنة 1881 فراح يبحث عنها هنا وهناك حتى وجد أنها بيعت بالمزاد العلني وأن الأستاذ سليم بشة هاوي التحف واللوحات والآثار هو من اقتناه، وهنا تم الاتصال به على أساس تأجيرها لعرضها في معهد العالم العربي بباريس، في فضاء لا يتجاوز أربع لوحات لانعدام الفضاءات الواسعة من جهة وقلة اللوحات والمعروضات الفنية ذات القيمة التاريخية والفنية الحضارية المؤهلة لأن تعرض في متحف معهد العالم العربي ذات المكانة الثقافية العالمية، وهنا تم التواصل والاتصال بين السيد جاك لونج مدير المعهد والذي يعدّ من القامات الفكرية الثقافية الفرنسية والسيد سليم بشه الذي أبدى استعداده لتقديم الدعم المادي واللوجيستيكي والفني لإقامة معرض نوعي يتضمن لوحات وصوّرا وأفلاما تاريخية عن مدينة بسكرة وهو ابن المدينة والولاية، حيث انطلقت التحضيرات والترتيبات المادية والقانونية والفنية بتعيين السيد روجي بن جمان المستشرق وأستاذ التاريخ بجامعة سيدني كمحافظ للتظاهرة بعد أن لمس الطرف الفرنسي جدية وحضور الدعم الاستثنائي للجانب الجزائري من خلال “الهاوي المتطوّع المتبرّع”.

 

لوحات، أفلام وكتب نادرة

اعتمد المصمّمون والمنظّمون للمعرض على الأعمال الفنية التاريخية الفريدة والنادرة والتي تم جمعها واقتناؤها أو تأجيرها من عديد المتاحف العالمية في أوروبا والولايات المتحدة فإذا كانت قاعة أو رواق العرض قد زينت بنحو 63 لوحة فنية ذات قيمة تاريخية وثقافية تعود للقرنين التاسع عشر وبداية القرن العشرين وكلها تصوّر واقع حياة الأهالي ببسكرة بعيدا عن أي عمل يعكس تواجد المستعمر بعاصمة الزيبان، فإننا نسجل بعض اللوحات الأصلية التي تم تأجيرها والإتيان بها من متاحف عالمية، منها لوحة الفنان هنري ما تيس التي تمثل شارعا من شوارع حي المسيد وتحديدا مسجد سيدي موسى وتم تأجيرها من المتحف الوطني لكوبنهاجن بالدانمارك،  علما أنها أنجزت عام 1906 ببسكرة، بالإضافة إلى لوحة ڨيستاف ڨيومي المستأجرة من متحف فورفلك بفرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك لوحة الفنان أوسكار كوكوشكا التي عثر عليها في فرانك فورت بألمانيا لدى المجموعة الخاصة لوتش بنك، ناهيك عن صور ولوحات أخرى من المتاحف الباريسية والفرنسية والتي تتناول كلها جوانب من حياة الأهالي في حاضرة بسكرة آنذاك.

ومن نوادر المعرض كتاب الفنان إيتيان نصري الدين ديني الذي قدم إلى بوسعادة وأسلم وتزوّج هناك وخلّد كتابا مزخرفا بالمنمنمات للفنان محمد راسم وطبع في 1926 علما أن ميزة هذا الكتاب النادر قد أرفقت نسخة الثلاثين الأولى من (1 إلى 30) برسم أصلي للفنان ديني حيث أنه بيع في المزاد العلني من طرف قاعة المزادات “أركيريال” بشارع شانزي ليزي بباريس.

وقد لا نبالغ إذا قلنا إن عرض فيلمين قديمين للأخوين “ليميار” عن مدينة بسكرة يعودان إلى سنة 1903 قد استوقف الجمهور الزائر للمعرض وجلس انتباهه. فالفيلم الأول يتناول عرسا محليا للأهالي ببسكرة والثاني يصوّر لعبة تزاحم وتسابق أطفال الأهالي حول النقود، مع الإشارة إلى أن الأخوين “ليميار” زارا بسكرة في 1895 وبعدها في سنة 1896 واكتشفا السينما وعادا إلى بسكرة وتم تصوير الفيلمين بها في عام 1903  كما ذكرنا، وقد تم اقتناؤهما من مؤسسة ليميار بمدينة ليون الفرنسية.

ومن المعروضات التي استرعت الانتباه، عرض نسخة من التسجيل الموسيقي للموسيقار العالمي “بلا برطوك” المجري الذي سجّل في سنة 1913 في زيارته إلى بسكرة وضمّ 92 نغما وأغنية محلية وأعاد إدماجها في سنفونية عالمية عام 1920 ولازالت تعرض إلى يومنا هذا في القاعات السينمائية العالمية، وكان لجمهور التظاهرة الحظ في الاستماع والاستمتاع بنوبات وأنغام سنفونية من عمق ماضي عروس الزيبان.

 

تدشين رسمي واختتام مميّز

حظي المعرض بتدشين رسمي من طرف السيد عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة “الرجل الثاني في الدولة” والذي صادف افتتاح هذه التظاهرة تواجده بالعاصمة الفرنسية في زيارة رسمية لمجلس الشيوخ الفرنسي، حيث طاف بأروقة المعرض واطلع على محتوياته الفنية النادرة وتعرف على المجهودات “الشخصية” المبذولة لإقامة معرض في هذا المستوى وبهذا الصرح الثقافي العالمي بباريس، ودامت زيارته أكثر من ساعتين انبهر خلالها بجمالية اللوحات والصور وندرة المعروضات المختلفة والضاربة في عمق “حياة الأهالي” إبان الحقبة الاستعمارية وكيف حافظوا على أصالتهم وموروثهم الثقافي المحلي رغم محاولات الطمس والمحو الذي سعت إليه القوى الاستعمارية في الجزائر.

أما حفل الاختتام فقد كان مميزا ونوعيا بفضل نوعية الحضور ورمزية الهدايا المقدمة من طرف “الراعي المدعم” والمعبرة عن السخاء البسكري، حيث وزعت كميات معتبرة من تمور دڨلة نور في شكل علب “هدايا” يمكن أن تروّج للمنتوج ذات الجودة والمكانة العالمية بالإضافة إلى لوحات للفنان الطاهر ومان ابن مدينة بسكرة.

ولعل ما ميز الاختتام يوم 25 جانفي 2017 هو قيام السيد حميد قرين وزير الاتصال بإلقاء محاضرة حول كتابه الموسوم “مقهى أندري جيد” الذي كتب كثيرا عن بسكرة وتراثها وتناوله حميد قرين بالدراسة بدوره، كما نسجل قيام الفنانة المثقفة حورية عايشي المغتربة والمختصة في فن التراث الغنائي الشاوي بإلقاء محاضرة حول الأغاني التراثية بالأوراس وبسكرة، وفي الأخير أحيت سهرة فنية من عمق التراث الغنائي.

أما عن الشخصيات الوطنية التي حضرت حفل الاختتام نسجل حضور السيد الأخضر الإبراهيمي ومحمد بجاوي وسفير الجزائر بفرنسا – بالنيابة- وعن الجانب الفرنسي هناك السيدة كريستيان كوبنر وزيرة العدل السابقة وسفير فرنسا بالجزائر وأرلاند فيرير وزير الشؤون الأوروبية عن الحكومة الفرنسية.

 

مغزى التظاهرة وآفاقها

قد يتساءل البعض عن السبب في تناول موضوع معرض بسكرة بباريس والحال أن إقامة المعارض والتظاهرات الفنية شيء مألوف، بيد أنه من الأهمية بمكان التنويه في هذا المقام بالدور المحوري والدعم الاستثنائي الذي أبداه الأستاذ سليم بشّه لإقامة هذا المعرض وهذا باعتراف الفرنسيين والمسؤولين عن معهد العالم العربي بباريس، حيث أن تكاليف التظاهرة فاقت مليون أورو كان نصيب “الهاوي المدعم” من ماله الخاص يفوق 200 ألف أورو، منها 100 ألف دفعت بتأجير اللوحات ومختلف المصاريف التي تتطلبها مثل هذه المعارض ذات الرمزية والفنية الكبيرة ناهيك عن الوقت الذي استهلك والتنقلات الدورية والاتصالات المكثفة وطنيا ودوليا لرصد النجاح وحشد المتعاونين المتعاطفين على المستوى الرسمي الوطني.

فالمبادرة كما أشرنا كانت شخصية بعيدة عن هيئات الدولة الثقافية والدبلوماسية التي كانت مساهمتها محتشمة جدا.

فوزارة الثقافة اكتفت بطبع “كاطالوج” التظاهرة على حسابها دون سواه، أما سفارة الجزائر بفرنسا فقد تولت مشكورة إقامة مأدبتي عشاء على شرف الحضور في حفلي الافتتاح والختام والحال أن الأمر يتعلق بحضور شخصيات وطنية وأجنبية في تظاهرة ثقافية وطنية رفيعة المستوى، فإذا كان البعد الثقافي والتعريف بالموروث الحضاري لحواضرنا ومدننا التي رفضت الانصهار في حياة وأسلوب المستدمر وظلت محافظة على أصالتها وخلّدتها الأقلام وأنامل الفنانين العالميين هما الغاية والهدف من هذه التظاهرات، فأن يتولى التظاهرة مواطن بتلقائية ونضالية عفوية بماله وجهده ومعارفه هو الشيء الذي يستوجب التنويه من جهة ويشكل الاستثناء في التعامل مع الفعل الثقافي الذي هجره الرسميون فما بالك بالخواص!!

وفي الأخير نسجل أن صاحب المبادرة أوفد على حسابه المخرج الجزائري المعروف سعيد عولمي وفريقه إلى باريس لتصوير المعرض على تقنية 360 درجة لإعداد زيارات افتراضية له من خلال الشبكة العنكبوتية عبر العالم حيث ينوي إيصال عدد الزوار إلى مليون مشاهد عالميا.

كما يجري الإعداد لفيلم وثائقي من 52 دقيقة حول المعرض باللغات الثلاث الفرنسية والإنجليزية والعربية وفق المواصفات العالمية لتخليد هذه التظاهرة، وتجري حاليا اتصالات لإعادة المعرض في كل من مدريد الإسبانية وبرلين الألمانية، وربما بإضافات جديدة مخلدة لبسكرة وتاريخها ومروّجة لمستقبلها الثقافي والسياحي والحضاري.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!