“بناءون” التهموا ملايير “تظاهرة قسنطينة” وبدل الترميم وضعوا الإسمنت
شهران ونصف يفصلان قسنطينة، عن موعد احتضانها لأكبر تظاهرة في تاريخها الممتد عبر 2500 سنة، وهي تظاهرة عاصمة الثقافة العربية 2015 التي بعثت بعض الأمل، في نفس عشاق هاته المدينة التاريخية الساحرة لأجل أن تعود إلى سابق عهدها، ولكن أمنياتهم كلها تبخرت عندما مرّت السنوات وتبخرت الأموال وبٌذل الجهد في غير موضعه، بل إن البعض يرى بأن ما كان هو أحسن بكثير مما صار، وسيكون بعد انتهاء هاته الورشات المفتوحة لحد كتابة هذه الأسطر.
قصر الثقافة مالك حداد.. تشويه هندسي والسلطات صامتة
عطلت هذه الورشات حركة الناس في الفراغ، لتمنحهم صورا لبنايات وهياكل غريبة لا تمت للثقافة ولا للمدنية بأية صلة، والشاهد على ذلك ما يحدث أمام أنظار الجميع لدار الثقافة محمد العيد آل خليفة ولقصر الثقافة مالك حداد التي لا تختلف في شكلها الجديد عن المساحات التجارية أو البنوك السريعة البناء، ويبقى الغريب أن والي الولاية وطاقم من المسؤولين الكبار يزورون هاته الورشات كل يوم ثلاثاء، ويرون هذه الانزلاقات الفنية والهندسية، ولكن لا أحد يتحرك، وربما لا خيار لهم الآن بعد أن سقطت الفأس على الرأس، وربما السبب هو التأخر في انطلاق التحضير لتظاهرة كبيرة من المفروض أن تكون فيها قسنطينة عاصمة عربية.
تومي تتحمل مسؤولية تخريب المقاولين للبنايات العتيقة
وإذا كان سحب البساط من تحت أقدام السيدة خليدة تومي في التعديل الحكومي الأخير، كان حسب مصادر متطابقة على خلفية ما حدث في تظاهرة “تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية2011″، من تجاوزات ومن تبذير للمال العام، فإن أصابع الاتهام وجهت للوزيرة السابقة أيضا، التي قامت قبل منح حقيبتها لسيدة أخرى، بسبع زيارات إلى مدينة قسنطينة ومنحت بعض مشاريع الترميم لمقاولين قاموا بتخريب بنايات عتيقة، وحوّلوا المدينة إلى فوضى حقيقية ومهزلة، خاصة أن مختلف المشاريع موجودة في قلب المدينة، وأمام فندقي آكور وإبيس، حيث ينزل العشرات من الأجانب.
مشاريع قدمت لسلال.. لم يدق فيها مسمار واحد
وحتى المشاريع التي تم سردها أمام السيد عبد المالك سلال خلال زيارته العملية في أواخر مارس 2013 إلى قسنطينة، اتضح بأنها مجرد رسومات على الخارطة ونماذج للزينة فقط، خاصة في المجال السياحي، وفي ترميمات بعض الهياكل التاريخية التي لم تمسها أيدي المرممين ومازالت ملجأ للمنحرفين ومنها منطقة تيديس الرومانية ونصب الأموات قرب جسر سيدي مسيد والنصب الثاني في حي الأمير عبد القادر، ومصعد سيدي مسيد ودرب السياح وحديقة سوسة وتزيين الجسور بالأضواء والإضاءة الخاصة بجامع الأمير عبد القادر، وغيرها من المشاريع التي قيل للوزير الأول بأنها ستكون جاهزة، ومضت سنتان على الزيارة ولم يدق فيها مسمار واحد كما يقولون.
بدوي ولعنة المقاولين.. وعود تسليم كاذبة
وحتى الوزير الحالي السيد نور الدين بدوي والي الولاية السابق منح صفقة لمؤسسة من سطيف لأجل تهيئة وسط المدينة، وتم الاتفاق على ستة أشهر لتسليم المشروع، فقام صاحب المشروع بعمليات حفر كبيرة، وغادر المكان، ولم يعد، ثم حصل على الصفقة رجل أعمال آخر قال بأنه سيحول وسط المدينة إلى نافورات ويزينه بالرخام الرفيع، وأقسم بالله بأن يسلم المشروع في ديسمبر 2013، ولم يفعل، كما تم تسليم قصر الثقافة مالك حداد ومحمد العيد آل خليفة لمؤسسة بناء لترميمه وهما حاليا في أسوإ حال.
طلاء عمارات “فضيلة سعدان”.. فقط أينما ينظر أحمد
وقد تكون الحسنة الوحيدة التي استفادت منها قسنطينة هي استفادتها من فندق عالمي من 5 نجوم بالرغم من إنجازه في منطقة معرضة للانزلاق، وقاعة عروض، وهي أيضا متواجدة على بعد عشرات الأمتار فقط عن مطار محمد بوضياف الدولي، أمام السكنات القديمة فقد تم تسليمها لبنائين عاديين والغريب هو ترميم وصباغة عمارات في حي فضيلة سعدان التي يمر عبرها الترامواي وتركت أخرى من دون صباغة بحجة أنها بعيدة عن الأنظار في مشهد غريب لا يليق بمدينة كبيرة، وماعدا ذلك فإن قسنطينة خسرت فرصة العمر لأجل اللحاق بمدن عربية عريقة لا تقل عنها كنوزا ثقافية وتراثية.
ثورة إسمنتية لا علاقة لها بالثقافة والحضارة والمدنية
وحسب مصادر مؤكدة، فإن المشاريع الكبيرة التي استفادت منها قسنطينة في العشرية الأخيرة من دون احتساب مشاريع السكن، قد استهلكت قرابة المليار دولار، ولكن الذي يدخل المدينة هذه الأيام سيندب حظها، بسبب ما آلت إليه، وفرصة “عاصمة الثقافة العربية” فهم غالبية المسؤولين على المدينة على أنها فرصة العمر لتوزيع المال على المقاولين والبنائين الذي غيروا البلاط القديم والصباغة القديمة والسلالم والتحف الفنية القديمة بما هو أسوأ، في ثورة إسمنتية لا علاقة لها بالثقافة والحضارة والمدنية، والأمرّ أن هذا حدث أمام أنظار الجميع علنا وليس في السرّ والكتمان.