درس من تونس
ما حدث في تونس، مؤخرا، من سريان العملية الانتخابية في تلك الأجواء الهادئة والحضارية والديمقراطية، الكثير في الوطن العربي لم يكن يتوقعه، والكثير لم يكن حتى يتمناه، خاصة من دول الجوار، لما سيكون له من انعكاسات سياسية ستسيل لعاب الشعوب التواقة إلى التحرر من الأنظمة الديكتاتورية الطاغية، التي ليست أقل همجية وطغيانا وقسوة من ديكتاتورية زين العابدين بن علي البائدة.
-
التجربة التونسية من الثورة إلى الانتخابات الأخيرة، التي شهد العالم بديمقراطيتها ونزاهتها وحضاريتها، أثبتت أن التغيير أصبح ممكنا، بل ضروريا وحتميا في باقي البلدان العربية والمغاربية، والانعتاق من العبودية لاريب فيه، ومعجزة الانطلاقة يمكن أن تحدث في أي لحظة من لحظات الليل أو النهار، مهما كانت مواقف وردات أفعال الأنظمة همجية وقاسية.
-
ما حدث في تونس من ثورة، أثمر في مصر بتعبيد طريق آخر، ووضع آخر غير الديكتاتورية والقمع والهمجية، وأثمر في ليبيا وإن كانت ثماره أمر من العلقم إذ سقطت فيه ديكتاتورية، وقامت أخرى أكثر همجية وتأخرا، تطالب الآن بالبقاء في السلطة لمرحلة انتقالية، من خمس سنوات على الأقل، لارتكاب أبشع مما ارتكبته ديكاتورية معمر القذافي في حق الشعب الليبي، وستثمر حتما في سوريا واليمن، بغض النظر عن الذوق الذي ستكون عليه الثمار.
-
ما حدث في تونس لابد أن يجرنا إلى الحديث عن وضع الجزائر دون خجل ولا وجل، لأن الأمر يتعلق بمصير بلد ووحدته، وأمة ومستقبلها، خاصة أن الأوضاع لا تختلف في شيء عن بقية البلدان العربية، من حيث ضرورة التغيير وإحقاق الحقوق.
-
وحظ الديكتاتورية في الجزائر حتى الآن، أن الشعب الجزائري كان دائما متحفظا من الثورة بالطريقة التي جرت وتجري بها في بقية البلدان العربية الأخرى، من باب غيرته على أمن بلده واستقراره ووحدته، وعدم تكرار التجارب المؤلمة التي مر بها، بداية من 5 أكتوبر 1988، ومرورا بالعشرية الأخيرة من القرن الماضي إلى اليوم، ولكن في مقابل هذه الحكمة وهذا الصبر، يتصرف النظام الجزائري بالمزيد من الاحتقار واللامبالاة، ومحاولة ربح الوقت واستخلاص النتائج المزيفة وغير الواقعية، من تجارب الثورات العربية، فيطلق ما يطلق عليه اسم “إصلاحات”، وهي مجرد مسكنات لمرض عضال، أصبح يتطلب العلاج الجذري، وهي نفسها بمحتواياتها وأسالبيها التي كان يطلقها على فترات منذ حوالي خمسين سنة، بل وذهب في لامبالاتها القاتلة هذه المرة، وفي هذا الظرف القاسي، إلى حد اعتبار أحداث 5 أكتوبر 1988 ثورة جزائرية عربية سابقة لأوانها، اشترك فيها مع الشعب، والذين قتلوا على هدف واحد..
-
ودرجة اللامبالاة والاستهزاء، وصلت هذه الأيام إلى حد العودة إلى ممارسات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، عندما كان يطلق أزلامه في حملات الشرح والتوعية للخطابات السياسية المليئة بالأكاذيب والتضليل والمغالطات، وهذا ما يفعله اليوم بواسطة هيئة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الذي يصول ويجول عبر الولايات للتهليل والتكبير بهذه الإصلاحات بالأساليب القديمة البالية، في مواجهة مجتمع وشباب يتطلع إلى الجديد ويصر على التغيير.