-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دولٌ تحترق بلغتها

سهيل الخالدي
  • 1894
  • 10
دولٌ تحترق بلغتها

في شهر أغسطس 2014 المنقضي الذي يسميه الشوام والعراقيون “تموز” خرج عزام الأحمد القيادي الفلسطيني في حركة فتح ابن منطقة طولكرم الفلاحية في فلسطين، من الاجتماع التفاوضي بين الفلسطينيين واليهود في القاهرة وقنابل الصهاينة تدك الحجر والبشر والشجر في غزة لتجرفهم لينتحروا في البحر أو ليتيهوا تيها معاكسا في سيناء، خرج يقول إن الوفد اليهودي يتلاعب بالألفاظ، فصفقتُ له وأنا أقول عشتَ أيها الفلاح الفصيح.. وما دمت فعلتها فسيخسر اليهود هذه الجولة. وسألتني زوجتي: على مهلك، هل قال شيئا يستحق كل هذا؟ وسكتت.

 وكنت سأكتب للقراء في ذلك الوقت عن هذا اللاحدث الذي يشكل جوهر الحدث، غير أني لم أفعل لأن الوقت كان وقت تعبئة سياسية أكثر منه أحاديث في العمق، فالمسألة تستحق شحذ الذاكرة السياسية واللغوية للأمة، وحين قلت في اجتماع لغوي ترأسه ذات يوم رئيس مجمع اللغة العربية عندنا الذي لا يكاد صحفيٌ جزائري أو عربي يسمع بنشاطه، ردا على ما كاله آنذاك المرحوم علي فهمي خشيم ـ وهو من هو في عالم اللغة ـ من تهم الصحفيين العرب بأنهم يبهدلون اللغة العربية وقلت إن الدول العربية لا تدفع مستحقاتها الخاصة باللغة للأمم المتحدة، فاستشاط عبد الرحمان حاج صالح غضبا وقاطعني مراراً فلم آبه له، وقلت كلمتي.. فجاء الرد عليه من خشيم نفسه ومن على المنبر حين قال: “معك الحق ولك أن تغضب فالدول العربية لا تدفع” واستثنى بلده ليبيا التي كانت تدفع. وفي اليوم التالي كتبتُ في يومية جزائرية بما معناه أن بعض الصحافيين الجزائريين والعرب يخطئون في العربية، لكن السياسيين العرب يقتلونها ويقتلون دولهم نفسها.

  قد تسألون: وما علاقة هذا بذاك؛ فلا تصريحات عزام الأحمد تشكل حدثا ولا ردك على فهمي خشيم ولا اعتراض الحاج صالح يشكل حدثا …فما هذا الذي تزعجنا به في مسألة مرّت وغزة تحت النار؟

 آه من ناركم أيها القراء.. أصبروا عليّ حتى آخر السطر فقط..

 في 5 جوان 1967 خسر العرب أراضيهم في مصر والضفة الغربية وفي الجولان خلال سويعات فقط حيث وضع موشي ديان حذاءه العسكري فوق رؤوس قادة جيوشهم.. فقامت المعركة السياسية في الأمم المتحدة حول القرار الشهير 242، فقامت إسرائيل ليس بتجنيد أفضل ديبلوماسييها ومفاوضيها.. بل جنّدت أفضل رجالها الذين يتقنون العربية.. نعم العربية. لعلمهم بأن الديبلوماسيين العرب لا يكادون يعرفون العربية وبالكاد يتحدثون الانجليزية لغة القرار تبجحا وتمظهرا وليس دراية. فجادل اليهود على أداة “الـ” التعريفية ولم ينتبه سياسيونا في القصور الملكية والجمهورية ولا عساكرنا المهتمون بتلميع النجوم على أكتافهم.. فإذا بهم يبصمون على ذلك القرار الشهير الذي يقول تنسحب إسرائيل من “أراض احتلت”. ولم يقل “الأراضي التي احتلت”. وهكذا خسرت ما نسميه دولنا العربية الأرض والعرض معا.. فاللغة في نهاية المطاف هي العرض.

وفي مفاوضات القاهرة حول غزة في أوت الماضي أرسلت إسرائيل اعتمادا على معرفتها بجهل العرب لغتهم، أفضل ضباطها الذين يتقنون العربية حتى يمرروا باللغة العربية نفسها ما عجزوا عن تمريره بالسلاح، فليس هناك أذلّ من أمة تصبح لغتها ضدها لأن سياسييها لا يعرفونها.. فتصدى لهم هذا الفلاح الذي يتحدث العربية بلهجة طولكرم التي تشبه لهجة أهلنا في جيجل وميلة وفرجيوة حيث الشنشنة والكأكأة، ولم يتمكن اليهود من تمرير “ال” التعريف ولا حرف الجر

 وعزام الأحمد حسب معلوماتي لم يتخرّج من في الأزهر ومن في الزيتونة، ولا من أكسفورد ولا من جامعة واشنطن أو السوربون فقد تخرّج من بغداد أيام كان في هذه المدينة جامعة.

وبرغم ما قاله ويقوله اللغويون الأوروبيون عن القدرات العالية للعربية في التعبير السياسي، إلا أن اليهود ومن لف لفهم يعملون منذ السبعينيات حين اعتمدت العربية لغة رسمية في الأمم المتحدة على إلغاء هذا القرار وشكّلوا جمعيات ولوبيات تضغط في هذه الاتجاه، وحجتهم أن الدول العربية لا تقوم بدفع التزاماتها لهذه المنظمة لاستعمال هذه اللغة من ترجمة وأوراق وموظفين وما إلى ذلك من مقتضيات. ويضيفون إلى حجتهم القوية هذه حجةً أقوى وهو أن ممثلي الدول العربية في هذه المنظمة وغيرها من المحافل الدولية لا يستعملون العربية فالذين منهم يمثلون دول المغرب العربي ويسمونها دول شمال إفريقيا يستعملون الفرنسية، والذين يمثلون المشرق العربي يستعملون الانجليزية، وهكذا تكون العربية في الأمم المتحدة زائدة دودية.

وبالتأكيد مادام حالنا هذا الذي نحن فيه بين “داعش” و”عافس” فسينتصر القوم لا محالة، فالدنيا للساعي وليس للناعس.. وكنتُ قد كتبت قبل عشر سنوات أن جورج بوش هو الذي سيؤمّ الجمعة فينا وهاهم “الدواعش” وغير “الدواعش” يقررون من فينا المؤمن ومن هو الكافر؟.. لذلك لا عجب إذا ما قرّر علينا ذات يوم بدل تفسير ابن كثير تفسير الحاخام.. أليسوا يتقنون العربية أفضل منا؟ فلمَ لا يفسرون قرآننا؟ فأمننا اللغوي صار فعلا ماضيا ناقصا.

هوامش

* في اليوم التالي كتبتُ في يومية جزائرية بما معناه أن بعض الصحافيين الجزائريين والعرب يخطئون في العربية، لكن السياسيين العرب يقتلونها ويقتلون دولهم نفسها.

* جادل اليهود على أداة “الـ” التعريفية في القرار 242 الذي يقول تنسحب إسرائيل من “أراض احتلت”. ولم يقل “الأراضي التي احتلت”. وهكذا خسرت دولنا العربية الأرض والعرض معا.. فاللغة في نهاية المطاف هي العرض. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • بدون اسم

    إقرإ الفاتحة بالفرنسية نزولا عند رغبة أبيك الفرنكوفوني

  • بدون اسم

    ?!!en plus tu es de boumerdes

  • بدون اسم

    Laissez moi te dire ceci : Nous sommes des musulmans mais 's pas des arabes muslim's but not arabic

  • جزاااااحقةااائررررية

    يا رب أنت العزيز فاجعل اللغة العربية عزيزة ومكرمة بين أهلها

  • جزاااااحقةااائررررية

    اللغة جزء من هذه الحالة يا أخي وصحح كلمة رئيك تكتب رأيك وأيضا اكتب أطيعه

  • بنت القبائل

    المشكلة يا سيدي في البعد عن الدين....عن الله تعالى حيث أصبح العرب و المسلمون يتنافسون على ملذات الدنيا..و في خضم هذا نسوا أنفسهم و قضيتهم.
    أما قضية اللغة - على أهميتها - فهي ثانوية جدا.

  • محمد م

    إن اللغة العربية هي اللغة الأولى للجزائريين،التوانسة،الليبيين والمغاربة،شاء من شاء وأبى من أبى(اللي ماعجبوش الحال يخبط راسو على الحيط) ولو نطقت الأرض في هذه البلاد لماخالفت طبيعتها العربية.

  • سليمان

    يعني في رئيك يا أستاذ أن سبب انتكاسة العرب هي اللغة لا غير ؟

    أنا والدي فرنكفوني, فهل أطعه حين يكلمي باللغة الفرنسية و يطلب مني أن أصلي؟ و ما حكم الدين في هذا ؟

  • جزائرية

    صدقت

  • Baadi

    Because Arabic is a foreign language for Algerians, Morrocans and Tunisians.