الرأي

رحل طالب الإبراهيمي.. والجزائر قائمة لا تموت!

ترجّل المجاهد الكبير، والوطني الغيور على وطنه ودينه وأمته، المثقف الوزير، أحمد طالب الإبراهيمي، عن 93 عامًا، قضاها مناضلاً منافحًا خادمًا لبلاده منذ نعومة الأظافر.

رحل الرجل الذي جمع بين العلم والجهاد والخدمة العمومية والعمل الإصلاحي، بعدما أدى الأمانة في حدود الممكن، تاركا ميراثًا ناصعًا وهاديًا للأجيال في الانتماء الصادق للجزائر، بأرضها وتاريخها وهويّتها.

لعلّ “سي أحمد طالب”، رحمه الله، من رجالات الدولة القلائل الذين يتوافق كثير من الجزائريين، مهما تباينت مشاربهم، على أنه شخصية توافقية جامعة، استطاعت أن تجذب إليها العقلاء والحكماء والنزهاء من كل التيارات الأيديولوجيّة السياسيّة، حتى ظلّ في مخيال الجماهير “المخلص المفقود” منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنه لم يكن طالب سلطة إذا جانبت مبادئه الأخلاقية وحادت عن قناعاته الراسخة وخالفت تقديراته الواقعيّة للأحداث، وخير دليل على ذلك، رفضه المطلق رئاسة المجلس الأعلى للدولة مطلع 1992.

من النادر أن يتحقق أو يتكرر نموذج “سي أحمد” في منظومة السلطة الجزائرية، وحتى على النطاق العربي، باعتباره شخصية وطنية ثوريّة بروح إصلاحيّة، وسياسيّة متعففة، متألقة الفكر والثقافة، لم يكن وجوده ضمن “أنتلجنسيا” الحكم، منذ بدايات الاستقلال إلى أحداث أكتوبر 1988، منّة أو مكافأة ضمن صراعات المواقع بين رفاق السلاح، بل شكّل وجوده داخل مراكز القرار، طيلة 23 عامًا من دون انقطاع، إضافة نوعيّة وقيميّة في الشكل والممارسة الميدانيّة.

ليس الهدف من هذه السانحة تقديس رجل أفضى إلى ربّه العدل، فهو مثل جميع أخيار البشر، خاصة أهل الشأن العام منهم، قد تكون له من المحاسن الكثير، مع شيء من المساوئ مهما صغرت، لكن تكمن الرسالة في لفت النظر إلى مقومات جيل استثنائي، ترعرع في سياقات تاريخية خاصة، ولّدت فيه روح الاستجابة للتحدي الحضاري في مواجهة الاستعمار القاسي الغاشم، ثم التجند لمعركة البناء الوطني على أنقاض الخراب الشامل.

إن رحيل الإبراهيمي، وقبله جيلاً كاملاً تقريبًا من رواد الحركة الوطنية، يضع الأجيال اللاحقة أمام سؤال أخلاقي حرج: هل نحافظ على أمانة هؤلاء الرجال ونبني عليها لاستكمال إنجاز حلم الشهداء والمجاهدين في دولة جزائرية، كما قرّرها “بيان أول نوفمبر”؟ وكيف يمكننا اليوم أداءها وفق رهانات المرحلة الوطنية الجديدة؟

موت الشخصيات الملهمة ليس مساحة عاطفية للنعي البلاغي والبكاء على الأطلال، بل هو استحضار عقلاني للقيم والمثل والأهداف التي عاشوا وغامروا بأرواحهم لأجلها، وفي المواصلة الجادّة والفاعلة والواعية على دربهم الحضاري يتجلّى صدق التقدير والوفاء لمسيرتهم، مثلما يمثل النكوص على أخلاقهم ومواقفهم وإرثهم خيانة للتضحيات والأمانات.

إنّ فقدان الجزائريين لرجل من طينة ومقام “سي أحمد”، تذكرنا جميعا أن صناعة رجل الدولة المتجرّد عن مزايا السلطة والسياسي النزيه في اهتمامه بقضايا الشأن العام ممكنة وليست معدومة واقعيّا، ما يسقط تلك الأحكام المطلقة والتعميمية في حق الجميع من دون تمييز، بفعل ممارسات البعض مهما كانت نسبتهم!

كما يلقي ذلك بعبء أخلاقي على المسؤولين في الدولة والمشتغلين بالسياسة، مثلما يزودهم في الآن نفسه بالوصفة الجاهزة، وهو أنّ ممارسة المسؤولية العامة، من أي موقع رسمي أو تطوعي، ترفع شأن الإنسان بين أهله وفي السماء عند ربّه، عندما يؤديها بتفان وإخلاص على وجهها الصحيح، ولا نتحدث عن الكمال المطلق، لكنها أيضا قد تلحق به الويل والعار لترميه في مزابل التاريخ، لو يجعلها مطيّة للاستغلال الخاص والاسترزاق الوسخ والركوب على مآسي المُعدمين و”الغلابى”، وشواهد حراك 2019 ليست منّا ببعيد.

إنّ ما ينبغي الوقوف عنده في وداع “سي أحمد” هو أنّ الرجل، في حضوره الوطني والسياسي البارز، لم يكن منتوج الفراغ التنافسي ولا التسلّق الحزبي ولا التزكية العشائرية أو الجهوية أو الزبونيّة، بل هو ثمرة حسّ أخلاقي وطني تشرّبه بمرافقة جيل تحرّري وهب حياته للجزائر في أحلك ظروفها، وحصاد غرس إصلاحي علمي مبارك، في بيت والده العلامة البشير الإبراهيمي، على نهج خير جمعية عرفها الجزائريون، ونتاج عقل مصون بمقومات الأصالة والانتماء للأمة ومنفتح على روح عصره.

إن التلاقح والتكامل بين تلك المحددات في صياغة شخصية الرجل هو ما جعل منها متميزة عن غيرها في كل مراحل الجزائر المعاصرة، فلم يكن غريبًا أن يحظى مساره الوطني باحترام الأغلبية الساحقة.

لقد رحل الإبراهيمي عن دنيا الجزائريين وأحلامهم، فنسأل الله أن يجازيه عن خدمته لهم خير الجزاء، ويعفو عن كل تقصير، أمّا رسالة الشهداء فهي باقية، والجزائر قائمة لا تموت، لمن صدق منه العزم على رقيّها ورفعتها بين الأمم، فأتمّوا المسير حتى تلقوا ربّكم غير مبدّلين.

مقالات ذات صلة