-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سقوط الغرب.. حقيقة أم أُمنية؟

بقلم: محمد سعيد بوسعدية
  • 711
  • 0
سقوط الغرب.. حقيقة أم أُمنية؟

منذ أن كانت البلدان العربية والإسلامية تحت نير الاستعمار وشعوبها تنتظر سقوط الغرب الإمبريالي بقدرة قادر، معتمدة على رؤية مفكريها من باب “وشهد شاهد من أهلها”. وكان الألماني أسوالد اشبنغلر أول من أشار إلى ذلك في كتابه “أفول الغرب” الذي ظهر عقب انهزام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، والمترجم إلى العربية “بتدهور الحضارة الغربية” من قبل أحمد الشيباني.

بعد أكثر من قرن من الزمن من هذا الاستشراف، حدث عكس الأماني والتوقعات، إذ ازدادت الهيمنة والسيطرة الغربية على العالم قوة وطغيانا خاصة بدخول الولايات المتحدة الأمريكية مسرح الأحداث بعد الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك مازال مفكرو أوروبا وأمريكا مصرّين على سقوط الغرب، كان آخرهم الفرنسي إيمانويل تود الذي خرج علينا في نهاية سنة 2023 بكتاب جديد تحت عنوان: “خسارة الغرب” ليؤكد لنا من جديد أن الغرب الليبرالي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية آيل للسقوط وعدّد الأسباب في كتابه المشار إليه. وبين الكتابين ظهرت عدة كتب في الغرب تشير إلى المسألة ذاتها، وهي عديدة نحاول الإشارة إلى البعض منها.

يتوقع منظر السياسة الخارجية الأمريكية زبيجنيو بريجنسكي أفول أمريكا كدولة عظمى، لكنها ستبقى ضمن الدول الكبرى، وذلك في كتابه الذي ظهر في سنة 1970 والمعنون “بين عصرين: أمريكا في العصر التكنتروني” أي عصر التكنولوجيا والإلكترونات. وقد توقع المؤلف انهيار الاتحاد السوفيتي، ومنه انهيار الولايات المتحدة الأمريكية كأول قوة في العالم في غضون العقد الثاني أو الثالث للقرن 21. ويرجع بريجنسكي ذلك إلى تضخم الثورة المعلوماتية المتوقعة دون تجديد اجتماعي وتأثير ذلك على بنية المجتمع وقيمه.

فما قصة سقوط الغرب؟ هل هو سقوط عسكري أم اقتصادي وتكنولوجي، أم بالأحرى هو سقوط أخلاقي ومنه ديمغرافي لزوال شيئا فشيئا العائلة النووية من المجتمع الغربي؟ أم أن في الأخير المسألة متعلقة بسُنن الحضارات ودورتها، شأنها شأن الكائن البيولوجي الذي يعرف فترة الميلاد والشباب والقوة ثم فترة الشيخوخة والهرم والموت؟

تدهور الحضارة الغربية لشبنغلر

ظهر الجزء الأول من هذا الكتاب في سنة 1918 عقب انهزام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وهو ما يعني أن فكرة الكتاب كانت تتخمر منذ بداية الحرب، وازدادت تخمُّرا بعد ظهور إرهاصات الهزيمة الألمانية على يد الحلفاء.

أما الجزء الثاني من الكتاب، فقد ظهر في سنة 1922 بعد أن رأى المؤلف كيف تم تصغير واحتقار ألمانيا من قبل الحلفاء في معاهدة فرساي. فهل النفسية التشاؤمية التي طبعت روح شبنغلر هي التي وجّهت تفكيره إلى الإعلان عن أفول الغرب؟ أم أنه كان يختصر الغرب في الثقافة الألمانية التي كانت رائدة في مجالات شتى؟

مهما يكن، يبقى الكتاب من أحسن ما أُلف في النصف الأول من القرن العشرين حول فلسفة الحضارة، ويكون قد ساهم في تكوين وعي تحرُّري للنخبة العربية والإسلامية والآسيوية والإفريقية التي كانت تحت هيمنة الغرب الأوروبي؛ فقد عرف النصف الثاني من القرن العشرين استقلال أغلب الدول المستعمَرة.

أمريكا بين عصرين لبريجنسكي     

يتوقع منظر السياسة الخارجية الأمريكية زبيجنيو بريجنسكي أفول أمريكا كدولة عظمى، لكنها ستبقى ضمن الدول الكبرى، وذلك في كتابه الذي ظهر في سنة 1970 والمعنون “بين عصرين: أمريكا في العصر التكنتروني” أي عصر التكنولوجيا والإلكترونات. وقد توقع المؤلف انهيار الاتحاد السوفيتي، ومنه انهيار الولايات المتحدة الأمريكية كأول قوة في العالم في غضون العقد الثاني أو الثالث للقرن 21. ويرجع بريجنسكي ذلك إلى تضخم الثورة المعلوماتية المتوقعة دون تجديد اجتماعي وتأثير ذلك على بنية المجتمع وقيمه. والكتاب -رغم قِدمه- لازال حديث الساعة، وهو عبارة عن تحذير من الثورة المعلوماتية التي شهدت انفجارا مع الألفية الجديدة والتي أحدثت تغييرات جوهرية على القيم التقليدية عموما.

لكن الكتاب لم يستشرف صعود الصين التي أمست تنافس أمريكا فيما يسميه “التكنتروني”، ولا صعود روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي التي أصبحت تتحدى وحدها الناتو بأعضائه الجدد.

التناقضات الثقافية للرأسمالية

صدر كتاب “التناقضات الثقافية للرأسمالية” للعالم الاجتماعي “دانيال بل” سنة 1976 بالانجليزية. وقدّم صاحب كتاب “نهاية الأيديولوجية” تحليلا عميقا لبنية المجتمع الرأسمالي الغربي، واستنتج أنّ الإفراط في تقديم الليبرالية الرأسمالية كنموذج ناجح وصالح لكل دول العالم مهما كانت أنظمتها وثقافتها كما فعل صاحب “نهاية التاريخ”، يدفع إلى تدمير القيم الجوهرية التي قام عليها ويؤدي بالنهاية إلى فشل النموذج الغربي، مما يعني بروز نماذج منافسة ليس فقط على الاختيارات الاقتصادية ولكن على الثقافة الغربية بمفهومها الواسع.

الرأسمالية في طريقها لتدمير نفسها

صدر كتاب “الرأسمالية في طريقها لتدمير نفسها” للمؤلفين الفرنسيين “باتريك آرتو” و”ماري بول فيرار” سنة 2007، كما ألّفا في سنة 2021 كتابا آخر بعنوان “الفرصة الأخيرة للرأسمالية”.

تدور خلاصة كتاب “هل انتهى القرنُ الأمريكي؟” الذي سنة 2015، وهو من تأليف “جوزيف ناي” أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، حول احتمال أن تقود الصين العالم في القرن الـ21 وتُنهي بذلك الهيمنة الاقتصادية الأمريكية خاصة مع تزايد ديون أمريكا الخارجية التي وصلت إلى رقم غير مسبوق قُدِّر في تاريخ صدور الكتاب بأكثر من 22 تريليون دولار (22 ألف مليار دولار) أغلبها مع الصين. للإشارة وصلت ديون أمريكا في مايو 2023 إلى 31.7 تريليون دولار (31 ألف و700 مليار دولار).

في الكتاب الأول توقع المؤلفان تدمير الرأسمالية الغربية نفسها ذاتيا نظرا لتركيزها على الأرباح قصيرة المدى خاصة بعد ظهور التيار النيو- ليبرالي الذي زعزع استقرار البلدان نتيجة الانحرافات المالية والتعدي حتى على قانون السوق بظهور شركات كبرى حققت أرباحا خيالية على حساب البلدان الفقيرة، وكذلك على حساب الطبقات الفقيرة والوسطى الأوروبية على الخصوص، وهو ما أدى إلى تناقص الطلب وضعف النمو الاقتصادي. وأشار المؤلفان إلى الخطر المحدق الناتج عن نقل المصانع للبلدان البازغة مما أدى إلى تزايد البطالة وعدم استقرار العمالة في البلدان الغربية.

موت الغرب  لباتريك بوكانن   

ظهر كتاب “موت الغرب” لصاحبه الأمريكي باتريك بوكانن في سنة 2010. وتكمن أهمية الكتاب في المقاربة الأخلاقية والديموغرافية للمسألة. يرى المؤلف -الذي شغل مستشارا لعدة رؤساء أمريكيين- أن الغرب قد يموت إمّا أخلاقيا بسبب السقوط الأخلاقي الذي ألغى القيم الأسرية التقليدية، وهو ما ذهب إليه الفرنسي “إيمانويل تولد” في كتابه “خسارة الغرب”، أو ديمغرافيًّا نتيجة للسقوط الأخلاقي إذ يتجلى النقص السكاني بوضوح في السجلات المدنية الحكومية؛ وهذه الفكرة أخذ بها الكثير من السياسيين من اليمين المتطرف بأوروبا مؤخرا، منهم إريك زمور الذي راح يحذر فرنسا من “الاستبدال الكبير”، والاستبدال سيتم من قبل المسلمين والإفريقيين الذين يعرفون نِسب ولادة مرتفعة عن الغربيين نتيجة حفاظهم على العائلة النووية.

هل انتهى القرن الأمريكي

صدر هذا الكتاب “هل انتهى القرنُ الأمريكي؟” سنة 2015، وهو من تأليف “جوزيف ناي” أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد. وتدور خلاصة الكتاب حول احتمال أن تقود الصين العالم في القرن الـ21 وتُنهي بذلك الهيمنة الاقتصادية الأمريكية خاصة مع تزايد ديون أمريكا الخارجية التي وصلت إلى رقم غير مسبوق قُدِّر في تاريخ صدور الكتاب بأكثر من 22 تريليون دولار (22 ألف مليار دولار) أغلبها مع الصين. للإشارة وصلت ديون أمريكا في مايو 2023 إلى 31.7 تريليون دولار (31 ألف و700 مليار دولار).

خسارة الغرب

آخرُ كتابٍ صدر في هذه المسألة هو “خسارة الغرب” للفرنسي إيمانويل تود في ديسمبر 2023 كما تمّت الإشارة إليه سابقا. وقد أثار الكتابُ زوبعة سياسية وخرج من النقاش المعرفي ليُسجن في النقاش الإيديولوجي خاصة وأن المؤلف الفرنسي تنبَّأ بخسارة أوكرانيا أمام روسيا وهو ما أثار حفيظة السياسيين الغربيين خاصة بفرنسا التي اعتمدت كثيرا على الحرب الاقتصادية والمالية رفقة الاتحاد الأوروبي لإسقاط روسيا وتركيعها، لكن من دون جدوى لأسباب قد نعود إليها في مقال مفصَّل.

وكان “إيمانويل تود” قد تنبَّأ بسقوط الاتحاد السوفيتي في سنة 1976 عبر كتابه “السقوط الأخير”، وهو ما حدث بعد أكثر من عقد واحد؛ أي في سنة 1990، الأمر الذي أعطى لدراساته اللاحقة مصداقية، وهو ما أقلق الدوائر السياسية الغربية التي أضربت حصارا إعلاميا حول مؤلفاته. كما نشر تود في سنة 2001 كتابا هاما بعنوان “ما بعد الإمبراطورية: دراسة في تفكيك النظام الأمريكي”، وحاول فيه دراسة نقاط الضعف للمجتمع الأمريكي المتمثّلة في الركود الاقتصادي المطرد وتراجع قدراتها الاقتصادية والعسكرية التي تعيقها عن الهيمنة العالمية وينبّئ بسقوط حلمها الإمبراطوري.

يبقى السؤال مطروحا بشأن دور النخبة العربية أو الإسلامية في هذا الصراع الحضاري بين الغرب وبقية العالم؛ ماذا يمكن أن يقدّمه المثقف الإسلامي كقوة اقتراح ليكون نموذجا عالميا يُقتدى به؟ هل باستطاعة هذا المثقف -الذي هو عاجزٌ حتى عن تقديم الحلول لمحوره بل لبلده نتيجة الاستبداد الاجتماعي والسياسي- أن يقترح حلولا للإنسانية، كما حاول يائسا أن يفعل المفكر أبو الحسن الندوي في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”؟

أما كتاب “خسارة الغرب”، ففضلا عن تنبئه بخسارة الغرب الأطلنطي في حربه مع روسيا باعتبار أن الناتو -حسب المؤلف- هو الذي يقود المعركة بالوكالة ضد الاتحاد الروسي، يذهب الأنتروبولوجي الفرنسي أبعد من ذلك ليبيِّن في مقاربة ثقافية- دينية أنّ خسارة الغرب وسقوطَه هي نتيجة وصوله إلى ما سماه “مستوى صفر الدين” (Le niveau zéro religion) ويتخذ الكاتب من سنة 2000 بدايةً لهذا المستوى معللا بذلك انتشار الفساد الأخلاقي والابتعاد عن المثل البروتستنتية التي كانت وراء ظهور الرأسمالية ونجاح الغرب حسب مقاربة ماكس فيبر. كما اعتمد المؤلف على المقاربة الديمغرافية ليبيّن على سبيل المثال لا الحصر أن نسبة وفيات الأطفال جد مرتفعة في أمريكا ومنخفضة في روسيا خاصة بعد وصول بوتين إلى الحكم.

خلاصة القول    

لا خلاف على أنّ المجتمع الغربي سقط أخلاقيا وابتعد عن القيم المسيحية بنسبة كبيرة منذ العقد الثامن من القرن الماضي، بل يمكن العودة إلى أحداث 1968 لتأريخ هذا السقوط. وقد كشفت الحرب على غزة توحُّش الغرب وابتعاده عن القيم الإنسانية التي ينادي بها، وبقي ذلك المستعمِر المتوحش الذي بدأ حروبه الاستعمارية بتجارة الرقيق وأنهاها بمجزرة في الفيتنام وحاليا بقطاع غزة.

لكن يبقى هذا النقد الذاتي والحرية التي يتمتع بها المثقفُ الغربي في إبداء الرأي الآخر رغم الحصار الإعلامي المضروب على أمثال الكاتب الفرنسي “تود”، قوة اقتراح للخروج من الأزمات التي يتخبَّط فيها الغرب على كل المستويات، الأمر الذي يسمح لهذه الاقتراحات -في حال أُخِذت بعين الاعتبار- أن تطيل في عمر الحضارة الغربية.

ويبقى السؤال مطروحا بشأن دور النخبة العربية أو الإسلامية في هذا الصراع الحضاري بين الغرب وبقية العالم؛ ماذا يمكن أن يقدّمه المثقف الإسلامي كقوة اقتراح ليكون نموذجا عالميا يُقتدى به؟ هل باستطاعة هذا المثقف -الذي هو عاجزٌ حتى عن تقديم الحلول لمحوره بل لبلده نتيجة الاستبداد الاجتماعي والسياسي- أن يقترح حلولا للإنسانية، كما حاول يائسا أن يفعل المفكر أبو الحسن الندوي في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!