عبد الملك مرتاض.. الناقد والروائي والأستاذ والإنسان
تلقيت بمزيد من الحزن والأسى نعي الأستاذ الدكتور عبد الملك مرتاض، فتزاحمت في ذهني مجموعة من الذكريات والمشاهد والصور عن الرجل وعن الأستاذ وعن الناقد وعن الروائي وعن المسؤول وعن الزميل وعن الرفيق وعن الصديق، ووجدت نفسي مشتت الذهن مرتبكا لا أقوى على التفكير. عبد الملك مرتاض الرجل والإنسان: عرفت الرجل والإنسان من خلال مرافقة دامت لسنوات حيث كنت ملازما له يوميا، فوجدته ممن يحترم أهل بيته ويسعى إلى راحتهم وإسعادهم، وما رأيته يوما مقصرا في ذلك، ورأيته في علاقة طيبة مع عائلته. وجدته يحفظ الود ويزرع الحب بين الناس. كانت له، رحمه الله، علاقات إنسانية مميزة في الجزائر وفي خارجها. كان بسيطا لا تفارقه البسمة، يحسن إدارة الجلسات العامة والحميمية منها، كان محدثا فصيحا يعرف من أين تؤكل الكتف، في كل حديث له فائدة ومخرج ومغزى إن كان عن الحياة العامة أو عن السياسة والفكر والاجتماع، وكل أحكامه واستنتاجاته كانت نابعة من خبرة بالحياة والبشر ومن معرفة وعلم بالأمور، سواء في الجد أو الهزل؛ فالشاهد لا يعدمه والحجة لا تنقصه والفطنة والذكاء لا تعوزانه. ولعل قراءة في كتابه “الحفر في تجاعيد الذاكرة” قد ينير بعض الجوانب من حياته في مرحلة الطفولة.
عبد الملك مرتاض رجل نظيف ولا يأكل إلاّ في إناء نظيف وفي مكان نظيف ومن يد نظيفة، خاصة بعد العلمية الجراحية التي أجراها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي. لباسه دوما نظيف، يفهم في الدُرجة (الموضة) ذوقه في اللباس متقن؛ فهو يميز بين الرفيع منها والممتاز، وما يليق بكل مناسبة، ويحسن اختيار ألوان اللباس والتوفيق في المزج بينها. رجل متحضر بامتياز؛ والمتحضر عنده هو من يستقبلك من دون انتظار وفي مظهر لائق دوما. له خبرة في العطور، ومحب لشرب الشاي وفق قواعد وطقوس خاصة منها أن كؤوس الشاي عنده من الكريستال لا تلمح عليها أثار لبصمات الأصابع. الشاي له مذاق خاص يليق بالجلسة وبالضيوف.
عبد الملك مرتاض الأستاذ الجامعي، التحق بجامعة وهران منذ السبعينات من القرن الماضي، والذي درس بالجزائر وبالمغرب وهاجر لسنوات بفرنسا قبل الاستقلال. اختص بتدريس مواد الأدب الجزائري والأدب الشعبي والنقد الأدبي المعاصر والحداثي، بأسلوب سلس وسهل يمزجه بخبرته في تحليل النصوص ومعالجتها، وبكثير من المعاينة والمشاهدة عبر أسفاره الكثيرة ومشاركاته في الملتقيات العلمية التظاهرات الثقافية الكبرى. لك أن تقول منْ جالس الأستاذ عبد الملك مرتاض كمنْ جالس كبار الأدباء في العصر العباسي، وكمنْ تردد على مكتبة متنقلة، وكمنْ تردد على حديقة غناء وله أن يقطف ما يشاء من أزهارها وورودها. مجلس الأستاذ عبد الملك مجلس الفائدة فيه مضمونة. كان رحمه الله يثق في شخصي وقد كلفني أكثر من مرة بقراءة بعض رسائل الماجستير التي يشرف عليها ويطلب مني إبداء الرأي فيها.
عبد الملك مرتاض الناقد، كان رحمه الله، سابقا لعصره، استطاع أن يجسد مقولته المشهورة: الانطلاق من الحداثة إلى التراث ومن ثم العودة إلى الحداثة، وهي معادلة صعبة التحقق تحتاج إلى العلم والمعرفة والخبرة، ولابد من التأسيس والتأصيل للأدوات الإجرائية لهذا المشروع الطموح والواعد. كانت رحلته الأولى مع المقامات من الأدب العربي في الماجستير، ومن ثم بناء جسور تواصل مع الحداثة مع رسالته للدكتوراه مع الدكتور اندري ميكائيل، فوجد أن الحداثة تبدأ من التمكن من اللغات الأجنبية، فقراءة النقد يجب أن تكون في لغته الأم، فكثيرا ما جانبت الترجمات الصواب والحقيقة ببعض التشويه والمغالطة وسوء الفهم للغاية والمقصود. ساعدته موسوعيته وتبحره في المعارف التراثية والحداثية أن يكتب من موقع العارف والعالم والمؤسس للطرح النقدي النظري والمعالجة الواعية للنصوص. كتب عن الأدب القديم والحديث والمعاصر، اهتم بنظريات النقد في مستويات متعددة وسعى إلى تقديم الإضافة النوعية والمميزة.
عبد الملك مرتاض الروائي، يكاد هذا الرجل أن يكون من الأوائل الذين كتبوا الرواية العربية في الجزائر؛ إلا لم ينشر ما كتب في وقته، ولم ينتبه النقاد إلى ذلك، وحتى من انتبه ربما وجد أن تلك الأعمال الأولى؛ خاصة رواية “نار ونور” ورواية “الخنازير” لم ترقيا إلى مستوى النضج الفني أمام نقد أيديولوجي متحيز ومتعصب في السبعينات من القرن الماضي. ومن ثم لما كتب سنة 1982 رواية “صوت الكهف” واجهت هي الأخرى نقدا أيديولوجيا كاد يعصف بها، على الرغم من أنها كانت تجربة جديدة في مجال الاشتغال على التاريخ والبناء اللغوي وحركية الشخصيات. لعل هذا النقد الجائر جعله يكتب رواية “مرايا متشظية” مستفيدا مما طرحته الرواية الجديدة في أوروبا، ويصر على الاستمرار في الكتابة الروائية في رباعية ثم ثلاثية راصدا التحولات الكبرى للجزائر خاصة في زمن المحنة في الشعرية السوداء وما تبعها من أحداث من زوايا متباينة، تناول الإرهاب في “مرايا متشظية”، ثم نضجت رؤيته الفنية أكثر وانكشفت له بعض الحقائق فكتب رواية “وادي الظلام”. وأكاد أجزم أن هذه الرواية هي معادل موضوعي للرواية سابقة الذكر. كتبت في مؤلفاتي النقدية عن بعض روايته، فكشفت عن بعض توجهاته الفنية من ذلك دعوته إلى تفصيح العامية في الرواية.
عبد الملك مرتاض المسؤول، تدرج الأستاذ في المسؤولية من مدير معهد اللغة العربية وآدابها إلى نائب مدير جامعة وهران للدراسات العليا، ثم مديرا للثقافة لولاية وهران. ثم عُيّن رئيسا للمجلس الأعلى للغة العربية سنة1999. ثم عاد إلى قسم اللغة العربية وآدابها أستاذ متعاقدا مكونا ومؤطرا لطلبة الدكتوراه وعضوا في بعض لجان مناقشة بعض الرسائل الأكاديمية.
عبد الملك مرتاض الصديق والرفيق. الرفقة والصداقة والمجالسة والرحلة والسفر لها طعم خاص وتكاد لا تتكرر، محظوظ من يرافق الرجل في حله وترحاله. كنت ملازما له في سنوات التسعينات من القرن الماضي، سافرت معه إلى بعض المدن الجزائرية، وكانت لي رحلة معه إلى دمشق لحوالي أسبوعين، فاكتشفت الرجل عن قرب ووقفت على خصال لم أكن أعرفها فيه، وجدت الرجل محترما ووقورا ومتفهما، بالغ الكتاب والأدباء وخاصة اتحاد الكتاب العرب بسورية في إكرام وفادته، وعلى رأسهم الأستاذ علي عقلة عرسان وبمعية الدكتور عبد الله أبوهيف. والشيء بالشيء يذكر أننا كنا في جلسة برواق الفنانين بدمشق؛ أنا والأستاذ مرتاض والأستاذ ابوهيف، فرآنا الأخ محمد بوخاري وهو موريتاني مختص في الفلسفة متابع جيد للحركة الفنية والأدبية والنقدية يمتلك جرأة واضحة، فقال أبو هيف سيفسد علينا ليلتنا، ويبدو أنه سمعه فخاطبنا بلسان فرنسي. Je suis passé tout pour vous saluer. ثم أردف موجها كلامه لمرتاض: ما هكذا ينسج النسج يا نساج. وكان بذلك يشير إلى المعركة الأدبية الشهيرة بين مرتاض والنساج، وليكشف أنه متابع جيد لكل ما يكتب الأستاذ مرتاض. ولو كان المجال يسمح لذكرت وقائع أخرى مشابهة. وخاصة بعض المقامات التي ألفها خاصة المقامة اليمنية عن كبش ذبيح وآخر يصيح …
تطاردني الذكريات والأقوال والمجالس والسفريات، وتزاحمني والدموع والأشواق والوفاء والاعتراف بالجميل، ويهزني الحنين والفقد والوجد أمام رحيل الرجل العلامة والناقد المتميز والأستاذ المربي والمكون. ولا أملك إلا أن أقول إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أغفر له وأرحمه وألهمنا وذويه الصبر والسلوان.