في ضيافة ابن خلدون
دُعِيتُ لإلقاء محاضرةٍ بمناسبة يوم العلم في جامعة ابن خلدون بتيارت، وقد كانت قاعة المحاضرات المخصّصة لذلك غاصّةً بالأساتذة والطلبة، حتّى كان القائمون في المدرّج أكثر من القاعدين فيه. ودلّت الأسئلة والتعقيبات التي صدرت عن الحاضرين، بُعَيْدَ الانتهاء من إلقاء كلمتنا، على المستوى العلميّ الطّيّب للجامعيّين الجزائريّين. لقد كان يوم الأحد سابع عشر أبريل بجامعة تيارت عيداً علميّاً فاخراً أنيقاً بكلّ ما يحمل اللفظ من دلالة، حيث أقيم على الهامش معرضٌ للوحاتٍ زيتيّة رسمها طلبة الفنون الجميلة بالمدينة. وكانت تلك الصّور خيرَ معبّرٍ عن الخصائص المحلّيّة لمدينة تِيهرت وضواحيها، كما كانت لوْحاتٌ أخرى تُبرز ملامح الشخصيّة الوطنيّة وتقاليدَها ومظاهرها، كبعض اللّوحات التي تمثّل ملامح المرأة القبائليّة.
ذلك، وقبل ارتجال محاضرتي، ارتأيت أن أطالب وزارة الثقافة، ومن ثَمّ الحكومة، بمنْح لقب «عاصمة ثقافيّة» لمدينة تِيهَرْتَ، وبالمناسبة فإنّه من الْمَعِيب أن نُهمل الاسم الأصليّ، وهو «تيهرت» أو «تاهرت»، ونُبْقي على الاسم الاستعماريّ الذي هو تيارت، وذلك لأسباب رأيتها موضوعيّةً تتميّز بها هذه الناحية من الوطن العزيز. ذلك بأنّ تيهرت هي عاصمة أوّل دولة جزائريّة على عهد الإسلام، وهي الدولة الرُّستميّة التي كان أحدُ أمرائِها أكبرَ الشعراء في المغرب العربيّ أثناء القرن الثالث للهجرة، وهو أفلح بن عبد الوهاب الذي نظَم أوّل قصيدة تمجّد العلم في تاريخ الشعر العربيّ، قبل تمجيد المدرسة لحافظ إبراهيم، وقبل تمجيد المعلّم لأحمد شوقي، بزُهاءِ اثنيْ عشرَ قرناً.
كما أنّ أوّل مكتبةٍ أُسِّست للقراءة العموميّة كانت بمدينة تيهرت، وهي التي أُطلِقَ عليها المعصومة، قبل أن تُحرقها الدولة الفاطميّة. وقد كانت الدولة الرستميّة جلبت إليها كُتباً عظيمة من دمشق وبغداد وغيرهما من أقطار المشرق العربيّ. ثمّ إنّه لأوّل مرّة تُرجِمتْ كتبُ الفقه من اللغة العربيّة إلى اللغة الأمازيغيّة، وإن ضاعت هذه الترجمات، فيما نعلم. ثمّ إنّه لأوّل مرّة، في تاريخ الفكر الدينيّ، كانت تُعقَد حلقاتٌ للعلم بالمسجد الأعظم بالعاصمة الرستميّة فكان كلّ فريقٍ من العلماء المنتمين إلى مذاهبَ وطوائفَ مختلفةٍ ينْضَح عن مذهبه في حرّيّة رأي وفكرٍ منقطِعَيِ النَّظيرينِ. ثمّ إنّ أوّل شاعر في تاريخ الشعر المغاربيّ، وليس تاريخ الشعر الجزائريّ وحدَه، هو تِيهرْتِيّ المولد والوفاة، وهو الشاعر بكر بن حمّاد الذي قتله قطّاعُ الطرق، مع ابنه عبد الرحمن، بمشارف تيهرت سنة 296 للهجرة، وهو في سنّ السادسة والتسعين!
لاحظنا أثناء ذلك إهمالاً شنيعاً لتلك المعالم التاريخيّة التي لو تشرَّف بوجودها فيه، بلدٌ آخَر لكان جعل منها قِبلة شهيرة للسياحة الثقافيّة. بل أسوأ من ذلك ممّا صدمني أثناء هذه الجولة، أنّ هذه الخلوة لم تُصنَّفْ، إلى الآن، في التراث العالميّ، فمتى يحدث ذلك الذي يجب أن يحدُث؟
أفلا تكون هذه العوامل كافيةً لأنْ تسمَّى مدينة تيهرت عاصمة الثقافة الجزائريّة؟ نرجو أن يُنظَر في اقتراحنا هذا.
ذلك، وقد كان في برنامج الرحلة زيارةُ «مكتبة جاك بيرك» بمدينة فرندة الجميلة حيث كان التَّرحابُ والتكريم على غاية من الحميميّة والتقدير، فأُلقيَتْ خُطَبٌ وأشعارٌ بحضور جمهور عامّ ومسؤولين في البلديّة والمجتمع المدنيّ. ويشتكي أهلُ فرندة من الإهمال الذي أصابهم حيث يطمحون إلى أن تستقلّ مكتبتهم عن المكتبة الوطنيّة، وأن يُبْنَى فندقٌ صغير بالمدينة ليُستقبَلَ فيه الضيوفُ من العلماء في حال تنظيم ملتقيات فكريّة حيث لا يمنع من تنظيمها إلاّ انعدامُ وسائلِ الاستقبال.
وكان لا بدَّ ممّا ليس منه بدٌّ، وهو قطْع بضعة أميال، انطلاقاً من مدينة فرندة، إلى بلدة «تاغَزُّوت» لزيارة الخلوة التي كتب فيها ابن خلدون مقدّمته، وقد زرتها لأوّل مرّة، فلاحظت وجود مغارتين: إحداهما مؤلّفة من غرفتين اِثنتين، وأعتقد أنّهما كانتا مخصّصتين للخَدم، وأمّا الخلوة الحقيقيّة «الأنيقة» فإنّها تقع في الجانب الآخر من الهضبة، وهي عبارة عن فضاء تقترب مساحته من عشرة أمتار مربّعة. وفي صدرها سريرٌ منحوت من حجر عَرضه قريبٌ من متر ونصف، ونفترض أنّه كان ينام عليه أثناء الفترة التي كان يكتب فيها مقدّمته العظيمة. ولا يزال جلمودُ الصخرة المصفّحة التي كان يكتب عليها، فيما نفترض، باقياً، فكان بمثابة المكتب بالقياس إلى هذا الزمان. والمرء وهو جالس إلى هذه الصخرة المصفّحة الموضوعة عند باب المغارة يستطيع أن يُشرف منها على فضاءٍ في الأسافل مخضرٍّ شاسع، وبجانب الخلوة ساقيةُ ماءٍ عذْبٍ صافٍ زُلاَلٍ، لا تزال تسيل إلى يومنا هذا، وهي تتفرّع عن غدير بجانب المغارتين الأُولَيَيْنِ. ويبقى السؤال: لِمَ اختار ابن خلدون هذا الموقعَ ليؤلّفَ فيه أوَّلَ كتاب وأعظَمَه في علم الاجتماع وهو مقدّمتُه، مع أنّه كان يُقِيم، في تلك الأثناء، بمدينة تلمسان؟ إنّه موقع اجتمع فيه جمال الطبيعة وعبقريّتها، مع وجود الماء والأمن والهدوء. ونفسّر ذلك بأنّه كان لابن خلدون سابِقُ عَلاقةٍ مع قبيلة «بني عريف» (وتسمَّى الآن: «المهارسيّة») التي لا تبرح تقيم بهذه الناحية التي قلّما رأينا أجمل من حقولها الْمُدْهامّة.
لكنّا لاحظنا أثناء ذلك إهمالاً شنيعاً لتلك المعالم التاريخيّة التي لو تشرَّف بوجودها فيه، بلدٌ آخَر لكان جعل منها قِبلة شهيرة للسياحة الثقافيّة. بل أسوأ من ذلك ممّا صدمني أثناء هذه الجولة، أنّ هذه الخلوة لم تصنَّفْ، إلى الآن، في التراث العالميّ، فمتى يحدث ذلك الذي يجب أن يحدُث؟ إنّ ابن خلدون شخصيّة جزائريّة أساساً، ولو أنّه وُلِد بتونس، حيث درس ببسكرة، وتزوّج من عقيلة قسنطينيّة، وكان وزيراً لملوك الزيّانيّين، بل كان قائداً للجيش حيث أخمد بعض الفِتن فيما يقول، هو شخصيّاً، كانت اضطرمت ببعض النواحي من المملكة الزيّانيّة، وقد تكون منطقة «تاغَزُّوت» نفسُها التي كتب فيها مقدمته العجيبة، وإلاّ فكيف كان يقع له اختيار ذلك المكان؟
إنّا قد نكون، نحن الجزائريّين، من أكثر الأمم إهمالاً لتاريخ وطنهم، ومعالم حضارة أجدادهم، والزهد في العناية بعظماء رجالاتهم… غير أنّي أثق، كلّ الثقة، بأنّ هذه الذهنيّة ستتغيّر مع بداية انتشار الوعي، وشيوع الثقافة… ولكنْ لِيَكُنِ البدءُ بهذه العناية بإنجاز بعض ما اقترحت في هذا المقال.