لهذه الأسباب انسحب نحناح من “سانت ايجيديو”!
لم يمرّ ملف “الشروق” الذي تطرّق قبل يومين إلى ذكرى رحيل الأمين العام الأسبق لجبهة التحرير الوطني، الراحل عبد الحميد مهري، دون ردود فعل، خاصة في شقه المتعلق بما عُرف بداية التسعينيات بلقاء “سانت ايجيديو” بروما الإيطالية.
وكانت أول الردود المتفاعلة، قادمة من حركة مجتمع السلم، التي ردّت على ما اعتبرته “اتهامات” بلعيد عبد العزيز، الذي قال في الملف أن “نافذين أرسلوا الراحل نحناح إلى الاجتماع ثم طلبوا منه الانسحاب”، وهو ما أثار غضب وحفيظة قيادات حركة حمس، فكانت هذه الردود و”الشهادات” لـ”الشروق”.
قال إنه لم يكن مرسولا من أيّة جهة نافذة
سلطاني: نحناح يصنع القرار ولا يُصنع له!

وصف القيادي في حركة مجتمع السلم ورئيسها الأسبق، أبو جرة سلطاني، الشيخ محفوظ نحناح طيلة مسيرته بـ”صانع القرار وليس من يُصنع له”، قائلا إن استجابته للمشاركة في اجتماع “سانت إيجيديو” سنوات التسعينات جاءت من منطلق أنه رجل حوار محب لوطنه، ولفت إلى أن “انسحاب نحناح من اللقاء كان بعد رفضه تحميل جهة واحدة كل ما حصل في الجزائر وليس لأن أطرافا نافذة في السلطة طلبت منه ذلك”.
وعقّب سلطاني على الحوار الذي أدلى به رئيس جبهة المستقبل وقائد الطلبة والشبيبة “الأفلانية” سابقا عبد العزيز بلعيد لـ”الشروق”، في ذكرى رحيل عبد الحميد مهري، عندما قال بأن “نحناح حضر لقاء سانت ايجيديو، ثم انسحب بتخطيط من نافذين في السلطة أنذاك”.
وبهذا الخصوص، رد أبو جرة: “نحناح رحمه الله، كان يصنع القرار ولا يُصنع له، ومن منطلق أنه رجل حوار استجاب للدعوة التي كان يعتقد أن فيها انفراجا للأزمة المعقدة التي كانت تمر بها الجزائر في تلكم المرحلة الحرجة من تاريخنا”.
نحناح كان يحترم مهري كثيرا.. ورفض التوقيع على وثيقة جاهزة
ويجزم سلطاني أن الشيخ محفوظ “كان يكن احتراما كبيرا للمرحوم عبد الحميد مهري ويراه من القلائل الذين كانوا يسعون إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة”، مضيفا: “ولأجل إقامة الحجة على من دعا إلى هذا اللقاء، قرّر أن يحضر ويشارك في جهد وطني من منطلق أن الحوار كان بين أطراف جزائرية تحججت وقتها بأن اجتماعها في الجزائر أمر مستحيل”. واسترسل “لكنه لما حضر، وجد أن بعض المشاركين كانوا قد أعدوا أرضية شبه جاهزة للتوقيع، وقدر الشيخ رحمه الله أن التوقيع بالشكل الذي قُدمت به، فيه إجحاف لبعض الأطراف الغائبة عن الحوار من جهة، ومن جهة أخرى الصيغة التي تمت بها ستساهم في تأجيج نار الفتنة بدل السعي في إطفائها”.
وحسب رئيس حركة مجتمع السلم الأسبق فإن نحناح “حاول مع بعض من حضروا أن يعطي للقاء صبغة جزائرية بحتة، ولا تكون فيها لأي جهة أخرى أي بصمة، لكن الطرف الآخر رأى أن إدخال تعديلات جوهرية على مشروع الأرضية سيميعها، وحصلت ملاسنات بين الشيخ محفوظ وأحد الحاضرين”.
ويفصّل أبو جرة أكثر في خلفيات انسحاب زعيم حركة حمس الراحل فيقول: “لكن الجلسة لم يكتب لها الاستمرار، والحوار المرتقب أخذ منحنيات أخرى كانت تستهدف تحميل جهة واحدة كل ما حصل في الجزائر”، الأمر الذي جعل نحناح يرفض هذه المقاربة ويعتذر على الاستمرار في الجلسة ويعلن أنه غير معني بلقاء الجلسة الثانية”.
وبخصوص ما يعتبره أبناء حمس بالاتهامات التي ساقها رئيس جبهة المستقبل، عبد العزيز بلعيد، يشدد سلطاني هنا: “ما أدلى به بلعيد من مسموعاته من أطراف لم يذكرها، فإن التاريخ لا يقبل الحديث باسم المجهول وعليه أن يدلنا على الأشخاص الذين رووا له ما صرح به حتى نستوثق من التهم التي كالها لرجل لم يعد موجودا بيننا”.
ويرى نفس المتحدث أن “بلعيد يعلم كما يعلم كل الجزائريين أنه في الوقت الذي تخلت فيه كثير من الأطراف الحزبية، الدبلوماسية والإعلامية عن الدفاع عن الدولة التي كانت مهددة بالتفكيك، نذر الشيخ نحناح نفسه لشرح حقيقة ما كان يجري في الجزائر”، مستدلا بشعار الراحل نحناح الذي عدّل التطرفيين معا بقوله: “نرفض استخدام العنف للوصول إلى السلطة، كما نرفض استخدام العنف للبقاء فيها وندعو إلى حوار هادئ وهادف بين جميع الجزائريين”.
وتابع سلطاني: “علينا أن نذكّر الدكتور بلعيد، بأن ما كان يجري في ذلك الوقت متعلق بحقن دماء الجزائريين، وهي المسألة التي تأخذ أولوية من منطلق الإسلام والوطنية والسياسية والحزبية والدبلوماسية”، مضيفا: “الذي يسترجع دموية تلك المرحلة يدرك إدراكا واعيا أن الدور الذي قام به، عبد الحميد مهري، آيت احمد، احمد بن بلة، محفوظ نحناح، جاب الله كان أمرا عظيما ولا ينبغي أن نحاكم النوايا، بل يجب أن ندرج هذا المسعى في إطاره الصحيح”.
وذكر سلطاني بأن المقصد، كان البحث عن حوار بين جميع الجزائريين لحقن دماء بريئة سببت لنا تأخرا كبيرا على كل الأصعدة وأكلت من أبناء الجزائر عددا لا يمكن أن يصبح مجالا للمزايدات الحزبية، لاسيما لأحزاب ولدت فوجدت نفسها تنعم بالرخاء والاستقرار الذي دفع ثمنه أزيد من 100 ألف قتيل أرواحهم من أجل الجزائر”.
دافع عن موقف حمس في حل أزمة التسعينات.. مقري:
بن حمودة كان أكثر تصلبا من مهري مع زروال بشأن محاورة عباسي وبلحاج

عاد رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، ليسرد تفاصيل ما يُعرف باجتماع “سانت إيجيدو” في التسعينيات، وجولات الحوار التي حضرتها عدة شخصيات وطنية وأحزاب سياسية في مقدمتهم الراحل نحناح، وقال: “تعرّفت على مهري في جولات الحوار مع اليامين زروال قبل الندوة الوطنية، ثم اشتغلت معه عن قرب في مؤسسة القدس”.
وأضاف مقري: “كان مرفوقا دائما ببوعلام بن حمودة ضمن الوفد الممثل لجبهة التحرير الوطني، وكنت مع الشيخ نحناح صحبة عبد القادر سماري والشيخ عبد الهادي السايح نمثل الحركة، فرأيت تلك العلاقة المتميزة بين الجبلين مهري ونحناح”.
مهري حمل نفس تصوّر بن حمودة لكنه لم يكن متشددا
وذكر مقري في منشور مفصل عبر صفحته الرسمية على الفايسبوك، تعليقا على مشاركة الراحل نحناح في “عقد روما” أنذاك: “وعلى عكس ما يعتقد الكثير، لم يكن مهري هو المتصلب في اللفظ مع زروال، رغم عمق الطرح وصلابة الموقف، كان بن حمودة هو المتشدد في مواجهة زروال ورفض أطروحات السلطة.. أذكر جيدا – يقول مقري- كيف كان بن حمودة يصعب الموقف على زروال حين أراد هذا الأخير إشراك عباسي مدني وعلي بلحاج في الحوار، حيث كان يصرح بصوت محرج في تلك القاعات والأروقة الرسمية العامرة بالهدوء والسكون”.
وتابع مقري في منشوره “لقد كان بن حمودة يتحدث بصوت مرتفع في وجه زروال، يقول له كيف تريدون أن تتحاوروا مع أشخاص مسجونين مسلوبي الإرادة، “مهري حمل نفس الفكرة ولكنه لم يكن متشددا ولا عصبيا في طرحه وعرضه، ولذلك استغربت كثيرا كيف انقلب بن حمودة على مهري وجاء بدله في الأمانة العامة لجبهة التحرير في ظل المؤامرة التي كان ضحيتها حكيم هذه الجبهة رحمه الله”.
توقيع بن حمودة في سحب الثقة “صدم” مهري
واسترسل مقري قائلا: “لعل من الأسماء التي صدمت مهري حين رآها في لائحة الإطاحة به، اسم خليفته الذي كان أكثر تشددا منه في الموقف مع زروال بشهادة أُدلي بها اليوم إحقاقا للحق، والغريب في الأمر أن سي بن حمودة، الذي أكن له كل التقدير والاحترام لمكانته وخدمته للغة العربية، هو نفسه الذي قاد الجبهة للعودة لمشروع المسار الانتخابي الذي حرمت منه الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة بسبب التشدد في الحوار مع زروال”.
وأضاف المتحدث في رده على تصريحات رئيس جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد لـ”الشروق”: “كان البعض يريدون حرماننا من الحوار وتكفل سي بوعلام نفسه بالإشراف على إرجاع الجبهة لبيت الطاعة، وكان هو ذاته الذي أحبط المقاومة السياسية التي أطلقناها في المجلس الشعبي الوطني نحن وكتلة جبهة التحرير رفضا لبرنامج أويحيى حينها، إذ كان له الدور الأساسي في ثني النواب عن موقفهم وجر الجميع إلى التصويت على البرنامج رغم تحدي أويحيى لنا جميعا بأنه لن يعدل أي فاصلة منه”.
وحسب مقري “لو ننظر للنهج السياسي الذي سار عليه سي عبد الحميد مهري منذ 1992 إلى غاية سانت ايجيديو، ثم الانقلاب عليه هو ذاته، من زاوية النظر المشهورة على التيار الممسك بتلابيب جبهة التحرير لجرها لتكون جهازا في يد السلطة لقلنا بأن جبهة التحرير خذلت الدولة ولم تقف معها في وقت المحنة، بل كانت صفا واحدا مع خصومها الأكثر تشددا، بل كانت الجبهة من عرابي التدخل الأجنبي والضغط على الجزائر بقوى أجنبية وربما التخابر معها”.
حمس تدافع عن شيخها الراحل وتردّ على عبد العزيز بلعيد:
“لست مؤهلا للحديث عن تاريخ نحناح.. فالزم الصمت”

انتقدت حركة مجتمع السلم، التصريحات التي أدلى بها رئيس جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد بخصوص وجود يد لنافذين في السلطة خلال فترة التسعينيات، وراء مشاركة الراحل محفوظ نحناح في اجتماع “سانت ايجيديو” وانسحابه بعدها، واصفة تصريحاته بـ”الافتراءات” التي تنم عن حقد دفين، واعتبرت أن بلعيد غير مؤهل للحديث عن مسائل تاريخية.
وقد ردت حمس على الحوار الذي أجراه رئيس جبهة المستقبل بلعيد عبد السلام في “الشروق” قبل يومين، والذي تناول فيه وقائع تاريخية متعلقة بمشاركة الشيخ الراحل محفوظ نحناح في “سانت ايجيديو”، وربط مسألة انسحابه بوجود خطة مدبرة آنذاك.
وجاء في بيان الحركة: “هجوم بلعيد على الشيخ محفوظ نحناح.. ينم عن حقد دفين دفعه إلى التناقض في تصريحاته ضد الشيخ محفوظ.. مرة يصرح بأن فكرة سانت إيجيديو كانت فكرة الشيخ، ثم يقول بأن انسحابه منها كان بترتيب مع جهات في السلطة”.
وأضافت الحركة، أن رئيس جبهة المستقبل، يلتمس في كل مرة الأعذار لحزبه “الآفلان سابقا”، وأساتذته في الصراع الشديد الذي وقع بينهم في تلك المرحلة، وفي الوقت ذاته “يتزلف فيه رغم تأكيده بأن المؤامرة على مهري كانت مؤامرة”.
حضور الشيخ “سانت ايجيديو” كان بقرار قيادة “حماس”
وأوضحت الحركة: “الشيخ محفوظ حضر الجولة الأولى من سانت إيجيديو بقرار المكتب التنفيذي الوطني وكان معه مرافق من المكتب هو فاروق بن وارد، وكان حضوره يستجيب للنهج الذي كان يسير عليه وهو الحوار والحرص على اجتماع الجزائريين بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظرف من الظروف”.
وأشارت حمس، بأن نحناح في تلك الفترة أراد إقناع المعارضة والسلطة بأن لا توافق إلا بحضور الطرفين، ولم يحضر للجولة الثانية، لأنه شعر بأن الحوار بين جميع الأطراف لم يكن مرحبا به، وهو نفس الموقف الذي اتخذته الحركة من الندوة الوطنية التي نظمتها السلطات في ذلك الوقت، ليضيف البيان: “الشيخ محفوظ رحمه الله حضر مع وفد من الحركة، ثم انسحب، لأن إرادة الحوار بين الأطراف كانت غائبة، وعلى هذا الأساس، أصبحت رؤية الحركة بقيادة نحناح هي الدفع نحو العودة للمسار الانتخابي”، وهو ما تحقق حسب حركة مجتمع السلم ، حيث رجعت جماعة سانت إيجيديو كلها إليه في سنة 1997 في الانتخابات التشريعية بعد ما قاطعوه سنة 1995 في الانتخابات الرئاسية.
وخاطبت حمس رئيس جبهة المستقبل: “لست مؤهلا يا بلعيد للحديث عن التاريخ الذي لا يرحم، وعن المؤامرات التي تحاك في الظلام، وعن التبعية للمخابر السرية.. فهناك جيل عريض داخل الحركة يعرف مسيرته منذ كان شابا، ويعرف قضاياه وعلاقاته وأدواره، ويعرف كيف خرج من جبهة التحرير الوطني، ولماذا أسس حزبه الجديد.. فالأفضل أن يبقي الستر على نفسه”.
القيادي في حمس عبد الرحمان سعيدي لـ”الشروق”:
نحناح قدّم مقاربة لحلّ الأزمة.. لكن الكثيرين لم يفهموها

قال القيادي في حركة مجتمع السلم عبد الرحمان سعيدي، ورئيس المجلس الشورى سابقا، إن الراحل الشيخ محفوظ نحناح كانت له مقاربة سياسية قدمها في سانت إيجيديو والكثير لم يفهموها، منتقدا تصريحات رئيس جبهة المستقبل بلعيد عبد العزيز بشأن مشاركة نحناح فيها قائلا: “لا تبني مجدك السياسي.. وحزبك على حساب الأموات فأنت لست مؤهلا”.
وأضاف سعيدي في تصريح لـ”الشروق”، أن الأحداث التاريخية التي وقعت في سنوات التسعينات لا يحق لأحد تناولها إلا من عايشها، في إشارة لرئيس جبهة المستقبل بلعيد عبد العزيز الذي تحدث في حوار لـ”الشروق” عن مشاركة الراحل نحناح وانسحابه من الاجتماع بعد ما أبرم اتفاقية مع السلطة على – حد قوله- حيث قال القيادي في حركة حمس: “الراحل نحناح في تلك الفترة قدم مقاربة سياسية لم يرد حينها أن تتطرّف السلطة بالقرار بعيدا عن المعارضة، خاصة في الجانب الأمني”.
وأضاف المتحدث: “الكثير من الجزائريين لم يفهموا هذه المقاربة ومنهم بلعيد عبد العزيز، هذا الأخير كان عليه أن يتحدث عن حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان جزءا من هذا الاجتماع وليس عن حركة مجتمع السلم”.
ولم يتوان سعيدي، في اتهام رئيس حركة المستقبل بلعيد عبد العزيز بـ”محاولة ” الظهور على حساب الأموات، واستعراض العضلات عن طريق تناول وقائع تاريخية لم يعايشها، مصرحا: “التاريخ لا يبنى على القال والقيل”.
وأضاف سعيدي: “بلعيد من جيلي، فكيف يتحدث عن وقائع تاريخية ليس له علم بها مثل هذه الأحداث”، مشيرا إلى أن رئيس جبهة المستقبل يفتقد للحجم السياسي ويريد من خلال هذه التصريحات الظهور.