-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما أفسد اليوم من البارحة

ما أفسد اليوم من البارحة

مما لم أنسه منذ أكثر من ثلاثين سنة أن الأخ بشير خلدون –رحمه الله- كتب ذات يوم، عندما كان مكلفا بالثقافة في “جبهة التحرير الوطني”، كتب كلمة في جريدة الشعب قارن فيها بين جاهلية الجاهلين “البسيطة” وبين جاهلية “التقدميين” و”الحداثيين” و”النورانيين” في القرن العشرين، الذي سماه بعض المغرورين “قرن الهندسة الاجتماعية”، هذه الجاهلية التي يمكن وصفها بـ “المعقدة” أو “المركّبة”، لأن “أنبياءها” يجهلون أنهم جاهلون، أو يعلمون أنهم جاهلون ويصرون على جهلهم..

وللقارئ الكريم العاقل أن يقارن بين رجولة عنترة بن شداد، ونخوتة، عندما يقول:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ** حتى يواري جارتي مأواها

ورجولة شاعر “جاهلي” آخر عندما يقول:

وإن جارتي ألوت رياح ببيتها ** تغافلت حتى يستر البيت جانبه..

وبين “التقدميين” و”الحداثيين” و”النوارنيين” الذين يأخذون نساءهم وبناتهم وأخواتهم إلى الملاهي الليلية، وإلى شواطئ البحار، وهن “كاسيات عاريات”، و”يرفعون” بذلك خسيستهم إلى الأسفل.

وقد التقيت الأخ بشير خلدون، وكنت في صحبة الأخ محمد فارح – رحمه الله، فشكرته، لأنه “تجرأ” على نقد بعض مظاهر الانحراف الأخلاقي، الذي بدأ ينتشر كنقطة الزيت في المجتمع الجزائري، وذكرت للأخ بشير خلدون أن الأستاذ محمد قطب -رحمه الله- رغم أنف الرضواني و”بصيرته” العمياء – له كتاب عنوانه: “جاهلية القرن العشرين”.

ومنذ وقت قريب زارني أحد الإخوة الأئمة، ولم ينس الفضل بيننا، فأهدى إليّ كتابا لم أكن أجهل صاحبه، ولكنني كنت أجهل قيمته الفكرية والعلمية، لأن آثاره لم يطبع أكثرها إلا من قريب، إنه الشيخ أبو يعلى الزواوي، الذي يسّر الله -عز وجل- لجمع آثاره أو أكثرها، أستاذان فاضلان هما عبد الرحمن دويب، ومحمد الأمين فضيل العاملان في صمت وبجدية كبيرة.. هذا الكتاب ذو المجلدات الأربعة عنوانه: “التعريف بالشيخ أبي يعلى الزواوي.. ومقالاته في الإصلاح، وبعض كتبه ورسائله..

إن الدارس لهذه الآثار يدرك قيمة الشيخ أبي يعلى الزواوي، ويجعله يردد مع القائل:

وخيار الخلق هداتهم ** وسواهم من همج الهمج

ومما لفت نظري في هذه الآثار ما أشرت إليه في بداية هذه الكلمة من تشبيه جاهلية القرن العشرين بالجاهلية الأولى، حيث وجدت أن الشيخ الزواوي يفضل الجاهلية الأولى على جاهلينا، فيقول: “الجاهلية الأولى خير من الجاهلية الحالية”. (المجلد الثاني، ص 147).

إن أبا يعلى محق في تفضيله الجاهلية الأولى على جاهلية أكثرنا الآن، الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.. فالجاهلية الأولى لم يكن لديها لا قرآن ولا سنة، أما جاهلية جاهلينا، فهي كما قال الشاعر:

بأيمانهم نوران: ذكر وسنة ** فما بالهم في حالك الظلمات؟

ومن عجائب هذه الجاهلية الجهلاء وغرائبها أن أسافلها، وأراذلها، وصعاليكها يسلقون شرفاء الأمة الذين قبضوا قبضة من أثر الرسول بألسنتهم النتنة وأقلامهم المسمومة.. فليترحم هؤلاء الشرفاء على الشاعر القائل، وليرددوا معه قوله:

ولو أني بليت بذات حر ** خؤولته بنو عبد المداني

لهان علي ما ألقى، ولكن ** تعالوا فانظروا بمن ابتلاني 

ولو أن الله –عز وجل- أمد في عمر الشيخ أبي يعلى الزواوي لاعتبره جاهليو عصرنا الأسوأ والأرذل “إرهابيا”، لأنه لم يتلجلج في إقرار حكم شرعي إرضاء للمخنّثين والمخنّثات، فقال: “إن التحاكم إلى غير الشريعة الإسلامية طوعا ردّة، ولا يبيحه أفقه الفقهاء..” (البصائر ع 31 في 12-4-1948 ص3).

إن هؤلاء الجاهليين الذين هم عبيد شهواتهم لا يفرقون بين التطور المطلوب، وبين التغير المقبوح، وهذا دليل نقص عقولهم إن كانت لهم عقول أصلا.. وما هم إلا كالببغاوات، بل الببغاوات أفضل لأنها لم تخرج عن فطرة الله التي فطرها عليها.

إن أبا يعلى بشر كالبشر، والبشر ضعفاء مهما يكونوا أقوياء، جهلاء مهما يكونوا “علماء”، ولذلك فهو يخطئ ويصيب، ولكنه لا يتعمد الخطأ كهؤلاء الذين يطغيهم قرناؤهم من الإنس والجن.. ويحسبون أن التقدمية في المجون، وإشباع الشهوات بالمحرمات، وتبييض وجوه الخونة والحركى، والتملق لأعداء الأمة لينيلوهم بعض الفتات، ويفسحوا لهم المجالات، ويلمعوهم ليغرروا الأمة بهم ثم يستخدموهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
21
  • بدون اسم

    ليس عليهم من حرج.... فهم محصنون ضد الفتنة ....ها ها ها ها

  • بدون اسم

    تعليق و لا أروع.... شكرا

  • بدون اسم

    لي سؤال للشيخ ورفاقه
    ماذا يفعل كبار علمائكم بامريكا بريطانيا السويد والمانيا ووووووووووو
    بالرغم من انتشار العري والعلمانية و كل ما جاء بالمقال
    شيوخكم ومفتيكم ورجال دينكم يستلمون وثائق الاقامة والعمل والدراسة من العرات والعلمانيين والشواذ و مانحي اراض العرب للصهاينة و... ببريطانيا اليس كذلك

  • عيسى اللموشي

    الكاتب ينزع دائما للمشرق حتى بلغ به الأمر إلى الإستدلال بشعر لقطاع طرق و لصوص ، وكأن الجزائر و شمال إفريقيا ليس فيهما من الحكماء و العلماء ما يُغنينا عن شعر الأعراب الذي هو حبر على ورق ولا يعكس الظلام الدامس الذي عاشوه و يعيشونه.

  • Abouhom

    المشكلة يا أستاذ أن المرأة تتجول في شوارع باريس و لندن في أي زي شاءت ليلا و نهارا وفي الميترو في الساعة الواحدة صباحا و لا يتعرض لها أحد و لا يستفزها مستفز. أما عندنا فلو تاخرت امرأة خارج بيتها أو مشت وحدها في شارع لغزتها ألاف العيون و الافواه بالغمز واللمز و الكلام البذيء و حتى الأيدي باللمس و الجذب و..... ثم ندعي ان مجتمعنا اسلامي و ان المرأة مكرمة عندنا و مهانة عندهم. صحيح ان من لا يخرج من بيته أو مسجده او معهده و ربما هذا حالكم منذ سنوات لا يطلع على هذه الأمور و لا يعرف وجودها و لا يكتب عنها

  • merghenis

    الشيخ أبو يعلى الزواوي-1- م.أ.فرّاد « عاد من دمشق في حدود سنة 1920، وتولى الإمامة في مسجد سيدي رمضان إلى حين وفاته سنة 1952. ... حاول إقناع أغنياء العاصمة بضرورة بذل المال في سبيل خدمة العلم، عن طريق نشر الكتب وتأسيس النوادي الثقافية والاجتماعية. ويبدو أنه نجح في مهمته إلى حد ما، بدليل أن كتابه القيّم ” الإسلام الصحيح” قد طبع الحاج محمد بمصر سنة 1926م. »
    2- م.هــ.الحسني ، " عالمان‮ ‬جليلان،‮ ‬و..." - ولد‮ ‬الشيخ‮ ‬محمد‮ ‬السعيد‮ ‬أبو‮ ‬يعلى‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬1866‮ ‬بناحية‮ ‬عزازڤة....

  • العربي

    من هوان المسلمين أنهم حتى وهم يقلدون الغرب الكافر أخذوا الغث وتركوا السمين مم هوانهم وجهاهم... الغرب أخذ من عند المسلمين سرّ قوتهم: العلم وطوروه . وعملوا على نشر ثقافة تسيطر على الجوانب الضعيفة في الإنسان كالشهوة وحب المادة والكسل ومزجوها بثقافة الإلحاد ليوهموا هؤلاء الجهال أن الدين هو سبب التخلف وهو العائق عن التطور: أترك دينك ترتقي في حياتك كما ارتقينا نحن! أخذنا عنهم أمراضهم وانبهرنا بهم وارتددنا عن ديننا لجهلنا وأصابنا هوان مستمر حتى نعود إلى ديننا: دين العزة والتمكين.

  • العربي

    يا صاحب التعليق 1: بردّك هذا أنت تقدم حجّة للأستاذ محمد الهادي الحسني... أنت لا تعرف ما معنى الإسلام؟ ولا معنى أن تكون مسلم ؟ فلو علمت لشكرت الأستاذ الذي وصفك بدون أدنى خطأ بما يليق بك وهو الجهل المركب: مصيبتك ليست الجهل ولكن مصيبتك أنك لا تعلم أنك جاهل .. ومن جهلكم وهوانكم اصبحتم تطالبون من المسلمين أن يتركوا دينهم وشريعة ربهم ويحاورونكم ويجالدكم بتجرد... وهذا هو الفرق بين المسلم والكافر. ما لكم كيف تفكرون؟ أفيقوا قبل فوات الآوان.

  • merghenis

    الأخ الكريم ، نتائج الأقسام المختلطة في المتوسط وفي الثانوي،كما هي حاليا، محدودة و الأفضل الفصل بين الجنسين. ما المانع أن يكون في نفس المدرسة قسم للبنين و قسم للبنات ؟،هذا لأن من غير معقول في الظروف القاسية أن تبني مدرسة للبنين و مدرسة للبنات.
    العنوان : " الطاقة السحرية" ، غير موفق ، في رأيي.و إعطاء أصل الكلمة بالفرسية تزيد من الضبابية.

  • عليوات

    يعطيك الصحة ياخو، هذا الإنسان ضاع مسكين ربي يجيبلو ااشفاء.

  • صالح الشاوي

    بارك الله فيك استاذي الكريم.

  • بدون اسم

    الأن في الغرب تنتشر المدراس الغير مختلطة يا بني لأت الإختلاط يؤثر على الذكور أكثر ونتائج المدرسة الجزائرية الحالية تعطيك الخبر اليقين يا بني عليك بغوغل وابحث عن المدارس الغير مختلطة لتدرك مدى جهلك بالواقع والعلم

  • قدور ولد مبروك

    العظمة تتنافى والكسل الفكري. من واجبنا ان كان لنا طموح غير طموح الدود اي البقاء احياء - علينا - ان نبني الطريق التي نسير عليها اما عديمو الهمة وذوو العقول المشلولة ومن في نفوسهم اغراض مشبوهة فيدعوننا اما الى الاكتفاء بتقفى خطى الاولين وعبادة الماضي او تبني النظام الراسمالي العولمي دون تردد و لا روية كما تبنينا راسمالية الدولة بعد الاستقلال. الحل الوحيد هو نبدع انفسنا وجاضرنا ونهيء مستقبلنا.

    *لم اعرف كيف اترجم عبارة مثل Fluide érotique فقلت طاقة سحرية والسلام.

  • قدور ولد مبروك

    2/ الدعوة الى تحرير الرجل والرجولة في بلدنا بتحرير المراة والكف عن اعتبارها جسدا مشتهى كي ننشغل بعظائم الامور من اجل بناء حضارة جزائرية لا يعني تبني الحضارة الراسمالية بدون شرط. اعتبار ان السبيل الوحيد لنقلع عن تخلفنا هو التخلي عن انفسنا وقيمنا والارتماء في احضان الحضارة الاستهلاكية الراسمالية نتائجه - في رايي -ستكون اخطر علينا من تخلفنا. علينا ان ندرك ان كل من يريدنا ان نختزل تعقد الحياة في اختيارين اثنين لا ثالث لهما انما يروم مصلحة تتناقض مع مصالحنا. لا شرق ولا غرب. علينا ان نبدع نظامنا.

  • قدور ولد مبروك

    اما الاقسام التي ليس فيها اناث فحدث ولا حرج ومجرد الحديث عنها يذكرني بالروائح الكريهة التي تملا جو قاعات الدرس خاصة في فصل الشتاء حيث تبقى النوافذ مغلقة للحفاظ على الحرارة. اكرر ان الموضوع صعب التناول وشديد التعقيد ولا يمكن تفصيله في صفحة او اثنتين. اكتفي اذن بالتاكيد على:
    1/ ضرورة الفصل بين الحضارة الغربية بقيمها الروحية والاخلاقية والجمالية والفكرية والحضارة الراسمالية المادية المالية التي هدمت وتواصل هدم الحضارة الغربية الاصلية والتي قال عنها الفلسوف Heidegger " لن ينقذنا منها الا الاله".

  • قدور ولد مبروك

    الطاقةالسحرية* التي تسري في المجتمعات المتحضرة التي لاتفرق بين الجنسين - الطاقةالسحرية اللطيفة -
    التي هي - لو تعلمون - سر نجاح الغرب وفاعليته ونظامه وانضباطه وجماله (جمال مدنه وقراه وحدائقه ومحيطه ومصنوعاته وسر جودة ذوق اهله. كل الذين امتهنوا او يمتهنون التعليم يعرفون الفرق بين الاقسام "المزدوجة" والاقسام التي ليس فيها الا الذكور: الاقسام المختلطة يسود فيها الانضباط والنظام واللباقة والنظافة وتلاميذها هندامهم لا تشوبه شائبة لانهم يعتنون بمظهرهم والانسان المظهر والامة المظهر لانه يعبر عما لا يرى

  • abdou

    baraka allaho fika oustadh kalam fi sawab

  • كريم

    بارك الله فيك استاد كفيت و شفيت

  • قدور ولد مبروك

    فهمتك وادركت قصدك لكن الموضوع معقد متشعب, يطول الخوض فيه والاحاطة بكل جوانبه في مكان كهذا. كل ما يمكن ان اقوله في الامر هو اني - شخصيا - لست من المغرمين بطريقة العيش الغربية وما فيها من تشجيع و مفاقمة الغرائز خدمة للنظام الشيطاني الراسمالي القائم على ادمان الاستهلاك والتبذير مما يتطلب اثارة دائمة للشهوات. بئس النظام الاجتماعي النظام الذي يحط قيمة الانسان ويجعله عبدا للماكنة المالية الاقتصادية عوض ان يكون الاقتصاد في خدمة الانسان والحياة.
    هذا مبدئيا ما اؤمن به ايمانا مطلقا لكن هذا لا يعني ابدا

  • الجاهل

    ***السلام عليكم.فالجاهلية الاولى أفضل من الجاهلية الحالية فالجاهليون الاولون يشركون بالله عبادة أصنامهم و أولياءهم و أشجارهم في الرخاء و يخلصون لله في الشدة فالشرك أكبر الظلم و يتتاسل منه كل الشرور***السلام عليكم.

  • توقفوا عن أكل اللحوم

    بما انك تتكلم بمبدء ديني لن تصل الى اي نتيجة و ستثبت لك الايام كلامي برغم انني متاكد بانك تعلم انني محق يكفي ان تسئل نفسك منذ كم سنة و انت تكتب فهل حققت نتيجة بكتباتك / ولا شيئ سوى انها مجرد مراوغات كلامية تحمل تعبيرات شخصية فيها ما فيها من الحقد والكراهية و النفور
    يجب ان تتقبل الحقيقة التي تقول عقليات الناس تختلف لكن طبيعتهم الفطرية لا تختلف
    من هنا نبدء التحليل الانساني و ليس تحليل ديني ولا هو تحليل وطني و حتى تحليل شخصي
    عندما تحلل مشكل تراه غالب على عامة الناس فيجب ان تحلل كل شيئ من حوله