-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مسؤول “كبير”، ومواطن “صغير”

مسؤول “كبير”، ومواطن “صغير”

حُدّثتُ أن مواطنا بسيطا في إحدى الولايات، هو وحيد أبويه، وقد ورث عن أبيه قطعا أرضية غير متجاورات، تضمن له الحد الأدنى من العيش، وتغنيه عن المسألة، وتحجزه عن الطمع فيما في أيدي غيره مما حلّ أو حَرُم.

رزق الله –عز وجل- هذا المواطن البسيط سبعة من الأبناء، يعيشون مما تنبت هذه القطع المتجاورات من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها.. وذات يوم اقترب منه بعض مسئولي تلك الولاية، وعرضوا عليه شراء جزء من أرضه ليقيموا عليه متوسطة، فامتنع لِما نشأ عليه من أن بيع الرجل أرضه أقرب إلى المَعَرّة إلا إذا اضطر إلى ذلك أو أُكره عليه، وهو ما وقع تحت عنوان “المصلحة العامة”.

رأى الرجل أن المبلغ المالي الذي عُرض عليه من طرف المسئولين هو أقلّ بكثير من ثمن القطعة الأرضية، وطلب مبلغا أكبر.. ثم انتهى به الأمر إلى رفع القضية إلى العدالة طلبا للنصفة…

سمع مسئول “كبير” في الولاية بما أقدم عليه ذلك المواطن البسيط من رفع أمره إلى القضاء، فاستدعاه إلى مكتبه..

مَثُل ذلك المواطن بين يدي ذلك المسئول، الذي “فاضت كِرشه” على المكتب، وحدجه بنظرةٍ ترمي بشرر، وصعّر خدّه، وقطّب جبينه، وسُمع له زفيرٌ وشهيق، وبين إصبعيه “سيجار”، ثم وجّه كلامه إلى ذلك المواطن قائلا: “ما تحشمش تطاكي الدولة؟..”. ظنا منه أنه سـ”يخلع” ذلك المواطن، وسيجعله “يركع” على ركبته طالبا العفو..

لم يكن ذلك المواطنُ البسيط ذا ذرع فسيح في العلم، ولكنه كان سديدا في الفهم، قويا في الحزم، فنظر نظرة “استصغار” إلى ذلك المسئول، وأسمعه كلاما وقع على رأسه وقوع المطرقة على زجاجة…

قال ذلك المواطن لذلك المسئول “الكبير”: أنتم “كبار” المسئولين، تسكنون المنازل الفخمة مما توفره لكم الدولة، وتستهلكون الماء والكهرباء على حساب الدولة، وتستخدمون الهاتف مجّاناً، وتستعملون سيارات الدولة في شئونكم الخاصة، وتنالون مرتباتٍ كبيرة.. وتأتيكم “الهدايا” من جميع الأنواع مما غلا ثمنُه أو رخص… ومع ذلك تطمعون فيما هو في أيدي الناس، وقد ترتشون، أو تبيعون الصفقات، وتضخِّمون الفواتير.. وقد تمدُّون أيديكم إلى المال العام… وضرب له أمثلة بمن قُبض عليهم من المسئولين، الذين كانوا في تلك الولاية –وفي غيرها- كتسعة رهط يُفسدون في الأرض ولا يصلحون- بُهِت ذلك المسئول “الكبير” من كلام ذلك المواطن البسيط، وكان في “كرش” ذلك المسئول “التبن”، فاحمّر وجهُه، وجحظت عيناه.. وراح ينفث دخان “سيجاره”.. ولو استطاع لخسف الأرض بذلك المواطن، أو لقطّع يديه ورجليه من خِلاف، أو لصلّبه تصليبا جزاء جرأته على “مسئول في الدولة”.

وتدخَّل بعض الموظفين حتى لا تتطور الأمور إلى ما هو أسوأ، ورجوا ذلك المسئول إنهاءَ المقابلة، وترك “العدالة” تفصل في القضية.. وأدرك ذلك المسئول أن هذا المواطن “البسيط” ليس كأحد من المواطنين الذين قذف في نفوسهم الرعب و”الإرهاب”، فأمر بإخراجه.. ورمى جثته “الشّحيمة” على الأريكة، وطلب السكرتيرة أن تأتيه بكأس من الماء “المثلَّج” ليطفئ به غليله، ولتُعِدّ له قهوة “ثقيلة” يهدِّئ بها أعصابه المتوترة.. وبلغني أن العدالة أنصفت ذلك المواطن.

أسوق هذه القصة الواقعية وأنا أسمع أن بعض المسئولين تحدِّثهم أنفسُهم الأمّارة بالسوء ليقتطعوا مبالغَ من أجور الموظفين ليسدوا بها بعض ما تعانيه الخزينة من عجز.. بسبب “السفه” الذي مُورس في حق المال العام يوم كان سعرُ برميل البترول يتجاوز المائة دولار..

إننا مستعدُّون لتحمُّل نتائج السفه وسوء تصرُّف “كبار” المسئولين، ونقبل أن يُقتطع جزءٌ من مرتّباتنا ومعاشاتنا بشرط أن ينزل أولئك المسئولون “الكبار” عن نصف ما يتقاضونه من أجور ومن معاشات، وأن يتوقفوا عن “سَفه” إنفاق المال العام على هذا المطرب أو ذاك، وعلى هذه المطربة أو تلك مما يسمونه “الفن” وما أكثره إلا “عفن”.

إننا مستعدُّون لتحمُّل نتائج السفه وسوء تصرُّف “كبار” المسئولين، ونقبل أن يُقتطع جزءٌ من مرتّباتنا ومعاشاتنا بشرط أن ينزل أولئك المسئولون “الكبار” عن نصف ما يتقاضونه من أجور ومن معاشات، وأن يتوقفوا عن “سَفه” إنفاق المال العام على هذا المطرب أو ذاك، وعلى هذه المطربة أو تلك مما يسمونه “الفن” وما أكثره إلا “عفن”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • bess mad

    في كثير من الأحيان ما يكون المسؤول صغيرا و القضاء أصغر منه فيضق الأفق بالكبار رغم شساعة الدنيا فيرمي المنشفة إما بطريقة البوعزيزي أو بخطة ملف طبي يشهد بعدم أهلية المدعي الدفاع عن نفسه فينحتون له محاميا من حاميها حراميها ، فيهرول طالبا النجدة من حبل المشنقة ليغيبه عن مكر الماكرين أو مصلحة الأمرض العقلية مرغما ليؤتى له بمسكنات تنسيه وجه ظالمه فيبوس يديه شاكرا الرعاة التي يتلقاها من أطبائه .

  • Said

    Barak allahou fik..

  • عبد القادر

    واضح باسم من تتحدث (تعرفهم من لحن القول)

  • بدون اسم

    و أضيف نعم إننا نقبل التقشف عندما نرى المسؤولين يتقشفون و لا يبذرون المال العام على مآدب العشاء و الغذاء و الزردات؟؟؟ و على الرقصات و الرقاصين؟؟؟

  • ابن شهيد

    اللهم احفض شبخنا من كل سوئ وانفعنا بعلمه

  • بدون اسم

    الله يرحم داك الفم ياثمرة ابن باديس و الابراهمي

  • ddt

    انا لست مستعدامن فظلك لا تتحدث باسمي

  • ldd

    هل احد فيكم يخبرنا او يعلمنا من اين اتى هاذا المسؤول؟؟

  • عبد القادر

    بارك الله فيك يالشيخ لقد اثلجت صدورنا

  • الطيب

    مواطن كبير يحكمه مسؤول صغير .

  • عبد الصمد

    المسؤول الاكبر يطلب صوت المواطن البسيط مقابل وعود

  • ابراهيم

    يا استاذ إنك كنت في غشاوة وغفلة عندما كتبت هذا الموضوع كم من مواطن سلبت منه ارضه ؟ و هل انت راض على العدالة في الجزائر ؟