من غزّة إلى إيران.. هؤلاء “المُرجفون الجُدد”!
لم تضع الحرب العدوانيّة على أهلنا في فلسطين أوزارها حتى أشعل الصهاينة حربًا جائرة على أشقائنا في إيران، ضمن ارتدادات طوفان الأقصى المبارك، مثلما تنبّأ به الشهيد القائد يحيى السنوار، رحمه الله.
وإذا كانت الشعوب العربية والإسلامية قد وقفت في المعركة الأولى صفّا واحدًا مع رجال المقاومة في غزة، فإنها تؤيد اليوم إخواننا الإيرانيين في صدّ العدوان الإسرائيلي الأمريكي، إلاّ تلك “الفئة المُخذّلة” المعروفة بوظيفيّة مرجعيّاتها الدينيّة وانحطاط وعْيها وانحراف فكرها وأخلاقها في العلاقة بكل المسلمين على اختلاف مذاهبهم وفِرقهم ومشاربهم الدعويّة، إلا منْ والاهُم في “عقيدة الجبْر” والتمسّح على بلاطات القصور والتغطية على مظالم العروش بذريعة عدم “الخروج على الحكام”.
هؤلاء “المُرجفون الجدد” الذين وقفوا منذ أول يوم ضد مقارعة الصهاينة، رافعين، بلا حياء وبكل صلف، دعاوى “العقيدة الصحيحة” في وجْه المجاهدين القادمين من زمن الصحابة في إيمانهم وصبرهم وثباتهم أمام العدوّ، فلم يخجلوا من أنفسهم، وهُم يرمونهم في عقيدتهم الإسلامية، محذّرين منْ أنّ مناصرتهم ونصْرهم على الاحتلال الإسرائيلي، لو يحصل، سيفتن العوامّ في دينهم، فيتبعونهم في نهجهم الدعوي والفكري.
حين سقطت تلك السرديّة الساذجة والباطلة أمام مساحة الرفض العامّ، داخل تيار الأمة، لادِّعاءات “المخذّلة”، رفعوا أصواتهم بالتحليل العسكري والاستراتيجي، في محاولة لتثبيط المسلمين عن مقاومة الكيان الصهيوني بأيّ طريق ممكنة، وراحُوا يتشفّون في الشهداء البواسل والقيادات التي قضت نحبها في ساحة الشرف، وينشرون صور الخراب والدّمار، للتدليل على “خطأ” النهج الجهادي، والدفاع المكشوف عن مسلك الاستسلام والتطبيع والقبول بالأمر الواقع للاحتلال الغاصب للأرض والمقدسات.
اليوم يظهر خطابُ هؤلاء المرجفين من جديد، في غضون الحرب الصهيونية الأمريكية التلموديّة على إيران، والحجة الساقطة جاهزة هذه المرة “لا يجوز موالاة المجُوس والشيعة، لأنهم أعداء لأهل السنّة، ومحاربتهم أولى من حرب الصهاينة”، بل وصلت الوقاحة بهم أن رفعوا عنوان “الكفر ملّة واحدة”، ويا لها من سخافة عقليّة ودناءة أخلاقيّة وطائفيّة مقيتة ومسوغات استخباراتيّة مفضوحة، تحاول عبثًا التدثّر بمفاهيم الولاء والبراء، في زمن تكالب فيه الشرق والغرب على بيضة الإسلام وحياض المسلمين، وتغطرست الإمبرياليّة الجديدة على الضعفاء.
تاريخيًّا، نشأت الفرق الكلاميّة الإسلاميّة على ضفاف الصراع السياسي على السلطة لكسب الشرعيّة الدينيّة، قبل أن تبحث لنفسها عن تأسيسات عقديّة وتأصيلات فقهيّة وتأويلات قرآنيّة تعضد بها مواقفها في مواجهة خصومها الآخرين، واليوم لم يتغيّر شيءٌ في واقع المسلمين المرّ، إذ يجري، بتوجيهٍ مخابراتي عربي وأجنبي، استدعاءُ مفردات الخطاب الطائفي، وصفحاتُ التاريخ السوداء قديمها وحديثها، لتسويغ مواقف ومقاربات وصراعات إقليميّة ودوليّة، ليْتها كانت مرتبطة فقط بمصالح وطنيّة قُطريّة، بل تأتي في كثير من الأحيان في إطار أجندات وظيفية عالميّة بالوكالة.
لا معنى للحديث عن عقيدة الشيعة في سياق الأوضاع القائمة، ولا مبرّر للاختباء خلْف أحداث العراق وسوريا ولبنان واليمن، ضمن مجريات الحرب العدوانيّة الحاليّة على إيران، سوى تقديم التأييد المعنوي للعدوّ الصهيوني في اجتياح المنطقة كلها، وفق منظور “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات.
لن ننجرّ وراء مهاترات هذا “التيار الوظيفي” بالخوض في الجدال العقدي العقيم، بينما حرب العدو اليهودي الصليبيّ ملتهبة في أوصال الأمة بلا تمييز، إنّنا نتجاوز السجال الديني الفارغ الآن، بل إنه ملهاة وأداة مبرمجة لتفتيت الوحدة الإسلامية وتشتيت الموقف من العدوّ المُبين، حتى تخلو له الساحة في الاستفراد بأطراف الأمة وأقطارها واحدا تلو الآخر.
إن الموقف اليوم من الحرب الوحشية على إيران، إذا صحّ الاختلاف في واجب النصرة من مقتضى العقيدة والدين، فإنه سيظل موقفا أخلاقيًّا إنسانيًّا، أو بالتعبير الجزائري الفصيح هي “مسألة أنفة ورُجولة وشهامة”، فلا يمكن للإنسان الحرّ الشريف أن يؤيد معركة ظالمة على غيره، فضلا على أن يكون ذلك المظلوم من عموم الأمة الإسلاميّة، بعيدًا عن كل التفصيلات الفرعيّة والعقديّة والفقهيّة.
نعم، كنّا ولا نزال ضدّ ما اقترفته إيران في حواضر المسلمين السنّة، وإنْ كنا نعتقد أنها فعلت ذلك بحسابات جيوسياسيّة، بدليل أنها دعمت في الجهة المقابلة أرمينيا ضد أذربيجان رغم التناقض الديني، خوفا من تعاظم قوتها ونفوذ “إسرائيل” وتركيا على حدودها الشمالية، كما أنّ دولا أخرى أيضا تورّطت في المستنقع العربي ذاته، ولا نقبل الازدواجيّة في تقييم الأنظمة وتحديد المواقف منها.
هذه التنبيهاتُ ليست أبدا تأييدا لإيران، ولا نعتبر إطلاقًا مشروعها الحضاريّ إسلاميًّا خالصًا، بل هو طموحٌ قوميّ بالأساس يسخّر الدين والمذهب للتعبئة العامّة والالتفاف وراء القيادة العليا للثورة، مثلما يفعل غيرُها في الإقليم بلافتات أخرى.
لكن ما ينبغي الانتباه إليه أن إيران على مساوئها وعيوبها ومخاطرها، في نظر مناوئيها على الأقل، هي اليوم جدارُ صدّ قويّ في وجه المشروع الصهيوني الأمريكيّ في الشرق الإسلامي، وتدمير قوّتها لن يكون في صالح المنطقة، مثلما يتوهَّم الشّامتون والمخدَّرون والمسخَّرون، بل هو خدمة مباشرة لتكريس الهيمنة الاستعمارية عليها وتسريع تنفيذ أجنداته بأخفّ الأضرار.