-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نوفمبر ينسف السياسة الثقافية الفرنسية

بقلم: أ. د. فريد حاجي
  • 432
  • 0
نوفمبر ينسف السياسة الثقافية الفرنسية

يقول “ليون روش” (1809-1901م) في رسالة إلى “الأمير عبد القادر” العام 1843م، وبتكليف من “بيجو”: “.. لله في خلقه شؤون، فهو يسّلط شعبا على شعب آخر، وينتزع بلدا ليعطيه لمن يشاء من عباده؛ وقد كانت إفريقيا مُلكا لأجدادنا إلى أن طردهم منها الأتراك (هكذا) وشاءت عناية الله أن نعود إليها من جديد بعد أن خرجنا منها قرونا عديدة، فما عليك الآن إلاّ أن تُذعِنَ لمشيئة الله” (الأشرف، الجزائر: الأمّة والمجتمع..، 1984: 330).
والمعروف، أنّ هذا النّوع من الخطاب، متجذّر في البنية الثقافية للمجتمع الجزائري، كونه “يتوافق” مع قوله تعالى: ” قل اللّهُمَ مَالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ من تشاء وتَنِزعُ المُلكَ ممّن تشاء” (آل عمران:26) وبالتّالي، فاحتلال فرنسا للجزائر، هو مشيئة الله، ولا مردّ لقضائه وقدره، حتّى أنّ الحاكم العام” فاليي” راح يتساوق هو الآخر مع هذه الثقافة، حين قال: “.. إنّ احتلال الجزائر لم يتمّ كنتيجة لرأي ارتأيته أنا، أو لقرار حكومي.. بل هو أمرٌ حتّمته الأقدار على فرنسا” (الأشرف: مرجع سابق، ص، 353).

حلمُ بعث الزّمن الرّوماني
معروف، أنّ العلمانيّة، هي إحدى خصائص الثّورة الفرنسية، وغدت عقيدة لدى جزء من الأنتليجانسيا الفرنسية. لذا، يعتقد الكثير من الدّارسين، أنّ فرنسا القرن 19م قد طوت صفحة الدّين نهائيّا، ومن ثمة، يقلّلون من شأن البعد الديني في عمليّة غزو الجزائر، وقالوا أنّى لفرنسا أن تسعى إلى نشر المسيحيّة في الجزائر، وقد وضعت الدين في”المتحف” في عقر دارها؟ وفي منظورهم، إن حدث شيء من هذا القبيل، فهو من مقتضيات تقاطع المصالح بين الفاعلين الاستعماريّين ليس إلّا.

كتب رجل الدين “إيغرون” (1773-1853م) قائلا: “.. كان غزو الجزائر حتى الآن، يُنظر إليه فقط من وجهة النظر السياسية والتجارية.. إنّ غزو الجزائر ليس سوى الفصل الأخير في تاريخ الحروب الصليبيّة.. إنّ الفائدة، هي أن نعيد للمسيحيّة وطن القدّيس أوغسطين، وهو الشّيء الوحيد البارز بوضوح من هذا الكفاح.. إنّ المسيحيّة التي استعادت حيازة أرض إفريقيا وسط العديد من العقبات، لن تتخلّى عنها أبدا”.

كان السّاسة والعسكريّون ورجال الدين تحدوهم ثقة في النّفس، بإمكانيّة دفع السكّان إلى الاقتداء بثقافتهم من منطلق تفوّقهم الحضاري، إذ يقول “ل. فييو” (1813-1883م): “.. إنّ أنظمتنا الدينية ستُثِير فيهم (أي في السكّان) ليس الاحترام فحسب، بل الإعجاب والحماس وعن قريب الاعتراف، فمن أيدي الكاهن يتلقّون محاسن وحقائق ليس في إمكان حُكّامنا وموظّفينا جعلهم يتقبّلونها” Louis, Bertrand: Le sang des races.., 1930 :67 . والمقصود، أنّ التّمكين للمسيحيّة في الجزائر ليس من مهام السّاسة والعسكر، كونهم غير مؤهّلين للقيام بمثل هذا المَهمَّة، وذوي توجّه علماني، بل كثيرهم من شذّاذ الآفاق.
ويقول “ف. د. دي رينو” (1755–1838م): السياسي والبرلماني الفرنسي: “.. في تاريخنا الكنسي، نرى مجالس قرطاج التي جمعت ما يصل إلى ثلاثمائة أسقف؛ هذه الشّهادات لا تترك مجالًا للشكّ.. إنّ ماضي إفريقيا يمكّننا من الحاضر ويشجّعنا في المستقبل.. بالتأكيد، لن تتحوّل إفريقيا إلى المسيحيّة غدًا. Montlosier, François
-Dominique de Reynaud comte de). Alger, 01/10/1838 : 5-6.

راود حلم الجزائر الفرنسية المسيحية مختلف الفاعلين الاستعمارييّن فراحوا يسوّقون لـ”مُثُل” المسيحيّة وضرورة عودة الأهالي إليها، والاقتداء بما حقّقته الحضارة الغربية بفضل العلم والعقل “العدوّان” للإسلام كما يزعمون. هذا الحلم- الوهم، أساسه حتميّة إرجاع شعوب شمال إفريقيا إلى حظيرة الدّين المسيحي باعتباره “دين أجدادهم”، وأنّهم وَرَثَةُ روما، التي انتزع منها الإسلام هذه الأرض بـ”أقسى وسائل العنف”، وأنّ الدّين المسيحي قادر اليوم على استعادتها وصيرورتها شعبا واحدا، وأنّ تنصير الشّعوب الإسلامية يدخل في إطار مصالح السياسة الأوروبّية، وتطلّعات الكنيسة والفكر المسيحي عموما.

أمّا رجل الدين “إيغرون” (1773-1853م) فكتب قائلا: “.. كان غزو الجزائر حتى الآن، يُنظر إليه فقط من وجهة النظر السياسية والتجارية.. إنّ غزو الجزائر ليس سوى الفصل الأخير في تاريخ الحروب الصليبيّة .. إنّ الفائدة، هي أن نعيد للمسيحيّة وطن القدّيس أوغسطين، وهو الشّيء الوحيد البارز بوضوح من هذا الكفاح.. إنّ المسيحيّة التي استعادت حيازة أرض إفريقيا وسط العديد من العقبات، لن تتخلّى عنها أبدا”.
Égron, Adrien-César. L’Algérie chrétienne.., 1847 : 10 et 16.
لقد راود حلم الجزائر الفرنسية المسيحية مختلف الفاعلين الاستعمارييّن فراحوا يسوّقون لـ”مُثُل” المسيحيّة وضرورة عودة الأهالي إليها، والاقتداء بما حقّقته الحضارة الغربية بفضل العلم والعقل “العدوّان” للإسلام كما يزعمون. هذا الحلم- الوهم، أساسه حتميّة إرجاع شعوب شمال إفريقيا إلى حظيرة الدّين المسيحي باعتباره “دين أجدادهم”، وأنّهم وَرَثَةُ روما، التي انتزع منها الإسلام هذه الأرض بـ”أقسى وسائل العنف”، وأنّ الدّين المسيحي قادر اليوم على استعادتها وصيرورتها شعبا واحدا، وأنّ تنصير الشّعوب الإسلامية يدخل في إطار مصالح السياسة الأوروبّية، وتطلّعات الكنيسة والفكر المسيحي عموما. هذا الحلم، لازم الأنظمة المتعاقبة وكان ديدنها استئصال شأفة الإسلام إن أمكن، أو تهوينه في نفوس المجتمع الجزائري.
إنّ تعييـن “أسقف” في الجزائر في أوت 1838م، لا ينمّ عن ذاك الحلم فحسب، بل، لاستحالته إلى واقع على الأرض، حتّى أنّ الماريشال “بيجو” وصف الأسقف المعيّن “دوبوش” بـ”الغراب النّاعق” لفرط حماسه وتسرّعه في الدّعوة إلى التّبشير. لكنّ “بيجو” حين قدّم مجموعة أطفال إلى الأب “بريمولد” علّق قائلا: “.. حاول يا أَبَتِ أن تجعلهم مسيحيّين، وإذا فعلت فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا النار علينا”. وهناك “ناعقون” كُثّر ومنهم الأميرال “دو غيدون” (1809-1886) الذي كان منتصرا للكنيسة وكراهية للإسلام، وساند صراحة سياسة تمسيح الجزائريين، قائلا: “.. لقد أمضيت حياتي في حماية البعثات الكاثوليكية في كلّ بحار العالم، ولن أرضى بأن أراها مقهورة فوق هذه الأرض الفرنسية.. وآن الأوان للعمل على إشراك هذا الشّعب المهزوم في تقبّل الحضارة المسيحية” (آجرون، مرجع سابق، ص،555- 554).

الاختلاف في الأولويّة والأسلوب وليس في الغاية
إنّ الاختلاف، وليس الخلاف بين هؤلاء حول الحلم، نلمسه في مجموعة مراسلات متبادلة بين وزراء حرب وحكّام عامّين للجزائر، وبين هؤلاء وأساقفة الجزائر ورجال دين. وهي رسائل تفوح بالحمولة الدينية، وتشي بالتخوّف من الجهر بذلك أمام الأهالي. ففي، رسالة وزير الحربية “سولت دالماتي” (1769-1851) إلى الحاكم العامّ في الجزائر”سافاري” (6/12/1831- 29/4/1833) ورد فيها: “.. إنّ رغبتنا في نشر مبادئ المسيحيّة سيساهم في جهودنا من أجل تقدّم الحضارة، ولا يسعني في هذا الصدد إلاّ أن أُنبّهكم إلى خطر دعاية مدعّمة عَلَنًا من السّلطة، إذ لا يمكن لمثل هذا السلوك إلاّ الإفضاء بالسكّان المسلمين إلى الانحراف، وهم المتمسّكون أصلا بعقيدتهم، وانزعاجهم من إقامة ديانة أجنبية في وسطهم” AOM, F80.1746.Lettre du Ministre de la guerre au gouverneur général de l’Algérie, 27/11/1832.
هذا التخوّف، أبداه “س. بيرنارد” وزير الحرب (6/09/1836- 8/03/1839) في رسالة “سرية” إلى الحاكمالعامّ للجزائر”فاليي” (1/12/1837-12/1840) بعد أن طالبه بتحويل مسجد السمّاكة (المسجد الجديد) إلى كاتدرائية، فردّ عليه الوزير قائلا: “.. إنّ مسجد السمّاكة متواجدٌ بجوار المسجد الكبير، وبناء على فكرنا “التّسامحي” يمكن للصّليب أن يكون إلى جانب الهلال وصوت الأجراس وأناشيد الكنيسة الرومانية تمتزج لسوء الحظّ مع الصوت المنبعث من المئذنة مناديا للصلاة، لكن، هل مسلمو الإيالة لهم من التبصّر أمام تجربة حسّاسة كهذه؟” AOM, F80.1746. Lettre du Ministre de la guerre au gouverneur général de l’Algérie, 26 /09/1838 .

وجّه أسقف الجزائر”دوبوش” رسالة إلى “كوبيرس” وزير الدفاع (1/3/1840-29/10/1840) طالب فيها الموافقة على تحويل مسجد “السمّاكة” إلى كاتدرائية، وشرح فيها الأسباب الداعية إلى ذلك قائلا: “.. خلال سنوات سيتقلّص عدد السكان الأهالي تدريجيًّا ويزداد عدد السكّان الأوروبيّين بنسبة مذهلة، ونتوجّه وبإلحاح شديد إلى حكومة الملك ولمعاليكم بخصوص التنازل عن المسجد.. فمعاليه لم يُخفِ الصعوبات التي قد نواجهها جرّاء هذا الإجراء، وتفهّمتُ الأمر حينها، لكنّ الظروف الآن مواتية سيدي الوزير، علاقاتنا مع الأهالي واتصالاتنا معهم إلى حدّ الآن نعمة معطاة من الربّ”

والأمرُ نفسه بالنسبة لــ”فرجيل شنايدر” وزير الحرب (12/5/1839-1/3/1840) إذ حذّر في رسالة “سرية” إلى “فاليي” من مغبّة ردّ فعل السكان، قائلا: “..إنّ التعصّب الديني لا يزال يمثّل القوّة الأساسية ويدفع إلى حمل السّلاح.. أتمنى من إكليروس إفريقيا أن لا يغذّي سوء النيّة ويكون خير مُعين للسلطة التي تحميه. ولكي نعبّد له الطريق التي من خلالها يفيد وبنجاح خدمة الدّين ومصالح البلاد، فإنّي حين أرى كلّ خطوة عمليّة سأتوجّه مباشرة إلى الأسقف بتعليمات يجعل منها الظّرف ضروريّةAOM, F80.1746. Lettre du Ministre de la guerre à l’Evêque d’Alger, 17 /08/1839.
من جهته، وجّه أسقف الجزائر”دوبوش” رسالة إلى “كوبيرس” وزير الدفاع (1/3/1840-29/10/1840) طالب فيها الموافقة على تحويل مسجد “السمّاكة” إلى كاتدرائية، وشرح فيها الأسباب الداعية إلى ذلك قائلا: “.. خلال سنوات سيتقلّص عدد السكان الأهالي تدريجيًّا ويزداد عدد السكّان الأوروبيّين بنسبة مذهلة، ونتوجّه وبإلحاح شديد إلى حكومة الملك ولمعاليكم بخصوص التنازل عن المسجد.. فمعاليه لم يُخفِ الصعوبات التي قد نواجهها جرّاء هذا الإجراء، وتفهّمتُ الأمر حينها، لكنّ الظروف الآن مواتية سيدي الوزير، علاقاتنا مع الأهالي واتصالاتنا معهم إلى حدّ الآن نعمة معطاة من الربّ” AOM, F80.1746. Lettre de l’Evêque d’Alger au Ministre de la guerre, 15 juin 1840. . وقد ردّ الوزير على الأسقف عن طريق الحاكم العام “فاليي” بالقول: “.. نحن في بدايات سلم لم يمض عليه وقتٌ طويل، وينبغي أن لا نمنح لرجل مهيمن على العرب ذرائع تجعلهم يشتبهون في نيّات المسيحيّين وحظوظا أكثر لحرب مقدّسة.. لذا، أطلب منكم إن كانت التدابير التي اقترحتموها في سبتمبر 1838م ممكنة اليوم وإبلاغي انطباعكم حول هذا الموضوع الحسّاس”. AOM, F80.1746. Lettre du Ministre de la guerre au gouverneur général de l’Algérie, 15/07/1840. .
لقد كانت الإدارة الاستعمارية -ظاهريّا- وكأنّها غير مكترثة بالمسألة الدينية، بل أحيانا تنتقد رجال الدّين في مسعاهم التّبشيري، لكنّه انتقادٌ ينمّ عن تخوّف من عواقب سياسية قد يفرزها هذا المسعى. ومن ثمّ، هم يستلهمون من تجربة إسبانيا في هذا المجال؛ مثلما ذكر ذلك “أ. هيس” حين كتب قائلا: “.. إنّ تنصير المسلمين بالقوّة كان كفيلا بإثارة حرب جديدة باهظة النّفقات، ومن شأنها أن تضع العراقيل في وجه عمليّة الإدماج” (أندرو هيس، افتراق العالمين الإسلامي والمسيحي في المغرب والأندلس. 1986: 207).
وعليه، فإنّ الإدارة ومن ورائها السلطة العسكريّة، لم تكن ضدّ توطين الدّين والثقافة الغربية عموما، بل كانت ترى في الاستيطان والسّلم الأرضيّة الممهِّدة للفعل الثقافي إن على المدى المتوسط أو البعيد. من ناحيّة أخرى كانت ترى أنّ الإقدام على مثل هذا الفعل، مرهونٌ بمعرفـة الخصم أوّلا، أو بالأحـرى فهـم بُنيتـه الثقافيـة، وفي هذا السياق جاء تأسيس ما يسمّى “لجنة الاستكشاف العلمي للجزائر” العام 1838م. لذا، فإنّ إستراتيجية المحتلّ قامت على ثلاث ركائز: معرفة الخصم، وسلاح الأفكار، والرّهان على الزّمن، لاستقطاب المجتمع.
X. Yacono, Vingt-cinq ans d’Histoire Algérienne- Recherches et Publications 1931-1956, L’Algérie depuis 1830, G.G.A.1956:35.
لقد كان للمحتلّ إستراتيجية عمل في هذا الشّأن، عبّر عنها أحد مؤرّخي التبشير الفرنسيّين، بالقول: “.. إنّ الصليبية الليّنة والسلمية لا يبقى وراءها إراقة الدّم وتستوجب الأخذ بالثّأر والحقد والكراهية المتبادلة بين الغالبين والمغلوبين.. إنّ هذه العمليّة تهيّئ إخضاع الشعب وإلى حدّ كبير إدماج الشعوب، وهي وسيلة أفضل من قوّة السّيف القاطع، وسوف تحصل هذه الصليبية مع الزّمن، على أضمن نجاح وإبقاء”. ويقول “وليام رايد”: “..إنّ عمل المبشّر صعبٌ جدّا، فبعد عمل امتدّ 15 عاما صحّ عندي أنّ الطريقة الوحيدة لاكتساب الشّعب، إنّما هي في النفوذ الشخصي إليه.. وهنا تبرز الصعوبة.. إنّ المشكلة في العمل بين المسلمين وفي شمال إفريقيا بخاصّة، إنّما هي إيجاد الطريقة التي تساعد فعلا على الاقتراب منهم. ثمّ أنّ ذلك الحاجز العظيم الذي يدعى عادة التعصّب، هو الجدار الشّاهق من الشكّ والاعتزاز بالذّات ومن الكره، قد بناه الإسلام حول أتباعه ليحميهم في داخله وليترك المبشّر خارجه. إنّه جدارٌ طالما أثبت مع الأسف، أنّ تسلّقه أو اختراقه مستحيل” (مصطفى خالدي وعمر فروخ: مرجع سابق، ص، 47) أمّا المبشِّر الشهير “جون رالي موت” (1865-1955م) فقد قال: “.. إنّ الأثر المفسد في الإسلام يبدأ باكرا جدّا، من أجل ذلك يجب أن يحمل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم الرشد وقبل أن تأخذ طبائعهم أشكالها الإسلامية.. إنّ اختبار الإرساليات في الجزائر في ما يتعلّق بهذا الأمر اختبار جديد ومقنع، وهكذا نجد أنّ وجود التعليم في يد المسيحيين لا يزال وسيلة من أحسن الوسائل للوصول إلى المسلمين”. John R. Mott, The Moslem World of To – Day, London, 1925: 371-372.
مهما يكن، فإنّ التّجاذبات بين هؤلاء الفاعلين، تتعلّق بمسألة أولويّات المشروع الاستعماري، أي التمكّن من الهيمنة وتحقيق الاستقرار، عبر استخدام القوّة لفرض وقائع على الأرض، وإخضاع السكّان أوّلا، ثمّ يأتي البعد الثقافي كأداة تفعيل سيرورة الاستعمار، عبر سلاح الأفكار، لاجتذاب العقول والنفوس.
أخيرا، كان الجانب الثّقافي، رهانا وأداة سياسية ضروريّة لخلق الشّروط الملائمة للاحتفاظ بالسّيادة الفرنسية على الجزائر، إذ أنّ التّجربة الإسبانية في الأندلس ووهران، لم تبارح مخيال العسكريّين، وأمجاد روما القديمة، كانت تراود المعمّرين والكتّاب والصِّحَافِيّين. ومن ثمة كان الجميع منتشيا بالعودة إلى “أرض الأسلاف” بعد انقطاع دام 12 قرنا، ولم يبق سوى محو آثار ورموز “الغازي” العربي، مادّية كانت أو معنويّة، واستعاضتها برموز الوافد الجديد. لكن نوفمبر نسف ووأدَ ذاك الحلم، الوهم، الخرافة إلى الأبد، نوفمبر الذي قال بشأنه شاعر الوطنيّة والإسلام “محمد العيد آل خليفة” في إحدى قصائده:
نوفمبر يا أسمى الشهور تفدِّيا وأسمعَها صوتا وأسْمقَها قدْرا
ألا أيّها الشعب الذي بجهاده أعاد جهاد الصَّحب يقفوهُمُ أثْرا
لقد ثُرت في التاريخ أعظم ثورة تُسجَّلُ تِبرا في الصحائف لا حِبرا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!