هذا الجيل الذي عجزنا عن فهمه
في أكثر من موقع، عندما يتبنى الشباب القضية أو يَتّحد لِأجْلِ حل مشكلة أو يتّفِق بشأن رأي، تتجه الأمور نحو الأفضل، على عكس الصورة الذهنية التي التصقت بنا لقرون من الزمن أن أساليب الحل وأفضل البدائل هي لدى الشيوخ الراجحة عقولهم أكثر، والأقدر على معرفة البدائل الصحيحة.. ما الذي حَدَث من تبدُّل في حياتنا حتى نبدأ تدريجياً في الوصول إلى هذه الحقيقة؟ وما الذي يجعلنا لا نرغب في الاقتناع بها والاستمرار في اعتبار أنه على الشباب أن يستمرَّ في التعلم من الشيوخ وليس العكس؟
يتفق علماء الاجتماع والاستشراف وحتى السياسة أن الفرد اليوم يولد في زمنٍ لن يموت فيه، بل إنه سيعرف أكثر من تَحول كبير خلال حياته ما كانت لتعرفه الأجيال السابقة في القرون التي خلت.
كان الفرد يولد وهو يرى المحراث الخشبي والطريقة التقليدية في الزراعة أو النقل أو الملبس أو المأكل أو البناء، ويموت تاركا الحال على ما هي عليه.. التغيُّر كان يحدث ببطء شديد، حتى إنه قد يعيش ويموت ضمن نفس الإطار والظروف والتجارب والعلاقات الاجتماعية التي وُلد ضمنها.. ولذلك كان بالإمكان الاستفادة من خبرات الآخرين ومن الدروس التي تعلموها نتيجة التكرار الذي يحصل باستمرار في دورة الحياة… كانت عبارة “يتعلم الصغار من الكبار” صحيحة ومفيدة، لأن الناس كانوا يعيشون ضمن ظروف لا تتجدَّد إلا نادرا ويُمكن بسهولة استنتاج تطوُّراتها القادمة ونَقلها إلى الأصغر فالأصغر سنا…
وهكذا، استمر هذا المنهج صالحا لمئات السنين، إلى أن أصبحنا اليوم نعيش في زمن تَحصُل فيه التبدُّلات يوميا وأحيانا بشكل كبير في أكثر من مستوى، تكنولوجي، اقتصادي أو اجتماعي… حتى كاد جميعنا يشعر أنه يَعرف أكثر من نوع من التكنولوجيا وأكثر من نمط حياة وأكثر من موضة وأسلوب للعيش في فترة وجيزة لا تتعدى عقدا من الزمن، وكان من نتائج ذلك أن اتسعت الفجوة بين الأجيال وحتى بين أفراد الجيل الواحد المتقاربين في السن، ولعل هذا ما أوصلنا إلى حالة من العجز أمام مَن وُلِدوا وكَبروا في ظروف لم يسبق أن عرفناها ولا تعايشنا معها، وأحيانا أوصلنا إلى حالة من عدم الثقة في قدراتهم وفي تَمكينهم من مشعل القيادة، بل والإصرار على بقائنا “قادة” لهم رغم شعورنا وقناعتنا بأن المشكلة ليست في أننا لا نريد فهمهم بل في كوننا لم نَعُدْ نَستطيع فهمهم.
هي حقيقة لا شك فيها، ليس من السهل اليوم على أيٍّ كان أن يفهم تلك الأفكار والطموحات والمشكلات التي يعرفها شباب اليوم الذي يكاد هو ذاته لا يستطيع أن يفهم ما يحدث حوله نتيجة التسارع الكبير في الأحداث والتكنولوجيات وأنماط الحياة بشكل عام، فما بالك أن تُعتَبر عملية فهمه من قبل الأكبر سنا مسألة ثانوية ينبغي ألا نعيرها أي اهتمام.
ذلك ما أصبح مُلاحَظا اليوم بشأن التعامل مع هذا المُكوَّن الأساس في المجتمع، أغلبنا يُكرِّر عبارة “75 بالمائة شباب” دون أن يُكلِّف نفسه عناء السؤال: وهل أغلبية سياساتنا مُوَجَّهة للشباب؟ وهل أغلبية قراراتنا يُصدِرها الشباب؟ وهل أغلبية من يتحمل المسؤوليات لدينا هم من الشباب؟
ولعل هذا ما أنتج ذلك الإحباط الشديد لدى هذه الغالبية التي يجري الحديث عنها دون أن تجد نفسها في قلب التنمية أو قلب سلطة القرار، وإن حَدَثَ ذلك أحيانا، فبعد فوات الأوان، بعد أن تتحول هي الأخرى إلى الكهولة أو تَقترب مِن الشيخوخة، فتكون مضطرة اضطرارا للقيام بذات الممارسات التي كانت سببا في فشلها أو تهميشها أوهدر الوقت منها. وهكذا تنغلق الدائرة المُفرَغة، ولا تتمكن أبدا شريحة الـ75 بالمائة أن تتحكم في 75 بالمائة من القرارات أو من صناعة السياسات أو من رسم مصيرها بنفسها.
ويتم هكذا هدر ثروة طائلة، ويُمنَع المجتمع من الاستفادة منها إلا في حدود ما فرضت نفسها عليه.
تلاحظ مثل هذه الحقائق في الميدان عندما تتمكن فئة قليلة من ريادة فكرة اقتصادية معيّنة أو مشروع اجتماعي معيّن أو برنامج ثقافي أو تربوي أو رياضي وتُبهر فيه بنجاحها بطرق مبتكرة وأحيانا من خلال استغلال أدنى الامكانيات، (المشاريع التطوعية التي يقوم بها الشباب من تلقاء أنفسهم رغم قلتها، والمحاولات الفردية للنجاح…).
أما تلك المشاريع التي تُصنَع في غيابهم ويراد لهم الاندماج فيها، فغالبا ما تفشل، لسببٍ أساسي أنها بُنيت على خبرة الماضي التي لم تعد تصلح للحاضر والمستقبل.
هذا لن يتم إلا من خلال منظومة تربوية قادرة على تمكين هذه الأجيال من طريقة صحيحة للتفكير تَنظر من خلالها للمستقبل، لا تلك الطريقة التي تسعى مرة أخرى إلى تشكيلها ضمن رؤية الخضوع للآخر فكريا وثقافيا، والنظر إليه من زاوية أنه الأفضل والأعلى القادر على تمكيننا من الحلول كما يبدو الاتجاه سائدا اليوم.
وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلاتنا، أننا لا نفكر في المستقبل بعقلية المستقبل، إنما بعقلية الخبرات الماضية، وتفكيرٌ بهذا الشكل لن يُمكِّننا أبدا من ابتكار حلول لمشكلاتنا.
إننا لا يُمكن أن نَحلّ مشكلة السكن، أو الشغل أو التعليم أو الصحة أو الرياضة… الخ، من خلال سياسات تَستمد خبراتها من منتصف القرن الماضي، كل المشكلات التي نعرفها اليوم، لم تكن معروفة قبل 50 سنة بنفس الكيفية ولا كانت لها نفس الأسباب، لذا فإننا لا يُمكننا حلها إلا بطرق مبتكرة جديدة لم تكن معروفة في السابق، وهذه الطرق لا يمكن للعقول السابقة أن تتقبلها وفق مقاييس حِقَبٍ خَلَتْ، ولا بديل لمواجهتها سوى الاقتناع بضرورة الاستماع إلى الأجيال الجديدة، وكيف ترى نفسها والآخرين…هو ذا مفتاح أي نجاح في السياسات المستقبلية التي يُمكن أن تعرفها بلادنا، وليس من الممكن أبدا أن نتمكن من الخروج من الأزمة التي نعيش دون الاقتناع حقيقة وليس شعارات: أن الشباب هو الحل…
كل ما يمكننا القيام به هو أن نُمكِّن هذه الأجيال الصاعدة من مناهج التفكير المبتكرة والصحيحة التي ترافقهم في عملية اقتراح الحلول للمشكلات، وهذا لن يتم إلا من خلال منظومة تربوية قادرة على تمكين هذه الأجيال من طريقة صحيحة للتفكير تَنظر من خلالها للمستقبل، لا تلك الطريقة التي تسعى مرة أخرى إلى تشكيلها ضمن رؤية الخضوع للآخر فكريا وثقافيا والنظر إليه من زاوية أنه الأفضل والأعلى، القادر على تمكيننا من الحلول كما يبدو الاتجاه سائدا اليوم.
لقد أصبح التدريب على مناهج التفكير الاستشرافي القادر على فهم تعقيدات العالم المعاصر ومواكبة التسارع اليوم والمساهمة في إيجاد الحلول المبتكرة للمشكلات المطروحة من أولويات المرحلة التي نعيشها حاضرا وسنعيشها في المستقبل، إذ لا يُمكِننا في كل الأحوال أن نَزعم القدرة على معرفة غد أفضل، أو التحول إلى حال أقوى، وتجاوز مشكلاتنا التقليدية والمُستجَدة من غير إعادة النَّظر في فهمنا لدور الـ75 بالمائة شباب والمهمة المنوطة بهم، والدور الذي ينبغي أن يقوموا به…
أبدا لن نستطيع تحقيق ما نريد تحقيقه دون مراجعة معادلة الشباب والتنمية بمختلف أبعادها، ودون أن يُصبِح ذلك واقعا ملموسا لا مجرد شعارات هدفها إضاعة ذلك العمر الذهبي الذي يمكنه أن يكون بنّاءً… وبعد فوات الأوان، نزعم أننا فهمناهم وندعوهم للمساهمة في البناء…