-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل انتهت الحروب الصليبية؟

هل انتهت الحروب الصليبية؟

ذكر المفكر الفرنسي روحي قارودي – قبل أن يسلم- في كتابه القيم “في سبيل حوار الحضارات” (ص 267): “أن زمن الحروب الصليبية قد انقضى”.

تمنيت أن يكون كلام قارودي صحيحا، ولكن الأمر ليس بأمانيّي ولا أمانيّ قارودي، لأن ما جرى بعد الحروب الصليبية منذ نهاية القرن الثالث عشر إلى ما هو جار الآن يؤكد أن “الروح الصليبية أصبحت أسلوبا في الحياة، وأن الحرب المقدسة من أقوى موروثات ماضينا المسيحيّ كما يجزم المؤرخ الأمريكي كيفن ريلّلي في كتابه الهام “الغرب والعالم”. (ج1. صص 202-203)، بل أن شوارع الغربيين الواسعة، التي يعجب بها العالم تسمّى في الثقافة الغربية كما يقول المؤرخ الأمريكي نفسه “الشوارع الحربية”. (ص 237).

من أجل ذلك يمكن بـ “سهولة” اقتلاع الجبال من أماكنها، ولكن يستحيل اقتلاع “الروح الصليبية” من نفوس أكثر النصارى الغربيين، الذين لم يسلم من فسادهم حتى الدين “المسيحي” الذي أنزله الله – عز وجل- على سيدنا عيسى- عليه وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام- فقد “أغرق” هؤلاء الغربيون و”نتّنوا” هذا الدين الطيب، أي صبغوه بالصبغة الإغريقية واللاتينية، وهي صبغة وثنية صنمية.

فالحروب الصليبية – إذن- قبل أن تكون معارك مسلحة هي “عقيدة” قلبية، ومشاعر نفسية في عقول النصارى الغربيين – عسكريين ومدنيين، رجال كنيسة وعلمانيين وملحدين – فإذا لاحت فرصة مواتية في هذا الجانب أو ذاك شنّت المعارك المسلحة..

إن الشعوب هي ثقافات قبل كل شيء وبعد كل شيء، وإن الثقافة الغربية – دينية أو علمانية – تتسم بالتعصب، وهذا ما يؤكده المؤرخ الأمريكي كيفن ريلّلي- في كتابه الآنف الذكر، حيث يقول: “التعصب سمة قوية من سمات الثقافة الغربية”، وهي متأصلة في العقل الجماعي الغربي، ومتجذرة في النفسية الجماعية الغربية “إلى حد لا يسمح لها بالاختفاء”، (ص198)، ولهذا “فالحروب الصليبية ما كانت لتخطر بالبال في إحدى ثقافات العالم الكبرى” (ص202).

و”الحروب الصليبية” تطلق على الحروب التي شنتها أوروبا على العالم الإسلامي في المشرق العربي منذ نهاية القرن الحادي عشر إلى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي.. وسميت “الصليبية” لأن الداعي إليها هو البابا إربان الثاني، وشارك فيها أهم ملوك أوروبا، وكان الجميع يلبسون ثيابا تحمل صور الصلبان.

وقد أصبح المجاهد صلاح الدين الأيوبي رمزا لجهاد هؤلاء الصليبيين، كما كان ريتشارد “قلب الأسد” ولويس التاسع رمزين للصليبيين.

وقد وصل الحقد الغربي (اليهودي والنصراني) على صلاح الدين إلى درجة دعوة “الحكام العرب والمسلمين” إلى منع الأئمة في المساجد من ذكر صلاح الدين والإشادة به، ومنع إطلاق اسمه على الشوارع والساحات والمؤسسات، لأن هذا الاسم في زعمهم هو “إصرار على ثقافة العنف والحرب”. (مجلة المجتمع الكويتية. في 10-3-2001. ص2). ولا ذكر لأسماء مجرمي الحرب من اليهود والنصارى..

ذكرت بهذا كله لأنه في هذه الأيام يمر قرن على احتلال الصليبي الإنجليزي الجنرال إدموند اللّنبي (Edmund Allenby) (1861-1936) مدينة القدس الشريف، ولأن قلب الأسود كان ممتلئا حقدا، ونفسه كانت تفور صليبية مقيتة فقد أنطقه الله – عز وجل- بما كان يسرّه، فقال: “اليوم انتهت الحروب الصليبية”.. رغم أن الحرب المسماة “حروب صليبية” انتهت قبل احتلاله القدس بسبعة قرون.. ألا يدل هذا على تمكن الروح الصليبية من عقلية الغربيين ونفسيتهم؟

ولمن كان في قلبه ريب مما نقول فقد وقع بعد تصريح هذا الجنرال الصليبي الإنجليزي احتلال مدينة دمشق من طرف الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال الصليبي الفرنسي هنري أوجين غورو (1867-1946)، وكان أول ما فعله هو ذهابه إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي، وهناك قال في صفاقة ووقاحة، ونذالة، وسفالة، وسفاهة مخاطبا أحد أنبل القادة العسكريين وأشرفهم – صلاح الدين- “ها قد عدنا يا صلاح الدين”.

وقد سجل الشاعر العراقي هذه الواقعة في قصيدة بليغة، ومما جاء فيها:

رويدك “غورو” أيها الجنرال     فقد آلمتنا من خطابك أقوال

ذكرت لنا الحرب الصليبية        بها اليوم قد تمّت لقومك آمال

فيا عجبا من أمّة قدت جيشها      تشابه “كردينالها” و”الجنرال”

ولو أننا قلنا كما أنت قائل          لأنحى علينا بالتعصب عذّال

ويظن أنبله منها والغافلون، والسذج ممن تنطوي على عقولهم كلمات الغربيين “يهودا ونصارى” المملوءة مكرا ونفاقا وحقدا، يظنون أن الأيام قد مسحت هذه الروح الصليبيّة من نفوس الغربيين، رغم تصريحات هؤلاء التي تقطر روحا صليبية حاقدة .. وإلا كيف يفسرون تصريح رئيس وزراء فرنسا وزير خارجيتها جورج بيدو (Georges Bidault) في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي: “الصليب سيحطم الهلال” (La croix écrasera le Croissant). (انظر: la guerre d’Algérie : Henri Alleg).

وها هو الدين الصّالب (اليهودية) يتحالف مع الدين “المصلوب” (النصرانية) ضد الإسلام، ولكن أكثر “المسلمين” عمي العيون، صم الآذان، فلا يرون ما يدبّر لهم، ولا يسمعون ما ينذرون به، وكيف يرون أو يسمعون وقد عموا وصمّوا عن كلام الله – عز وجل- المنذر لهم، بأن أعداءهم يأتمرون بهم، ويتربصون بهم.. وأعرضوا عن أمر الله – سبحانه وتعالى- لهم بقوله: “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة”. فإن لم يفعلوا فستذهب أوطانهم ومقدساتهم، وفي مقدمتها المسجد الحرام والمسجد النبوي، وما ذلك إن لم نغير ما بأنفسنا ببعيد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
19
  • معتز

    يا أستاد حفضك الله و رعاك، أن الحروب الصليبية الحقيقية هي الحروب التخريبية التجهيلية التي تشنها عصابة أستولت على الحكم في بلدنا و جعلت منا أضحوكة العالم, أصبحنا في مؤخرة المؤخرة في الترتيب الدولي في مجال التربية و التعليم و البحت. المشكلة أن هده الكارثة التي تتهدد حاضرنا و مستقبلنا لا أحد يتكلم عنها و كأن الأمر هين لا قيمة له.
    أن سنة الله أقتضت أن كل من له فكر ينشره و كل من له قوة يستعملها من أجل السيطرة. فليس العيب في الصليبيين بل العيب في أشباه المسلمين المتمسلمين الدين لا أخلاق و لشهامة لهم.

  • عبد الله

    تلك الايام نداولها بين الناس. استغرب لمن لا يرى ان شمس الغرب قد بدأت تغرب. هي مسألة جيل على الأكثر، و تنقضي سطوتهم . الصين لوقت قصير، ثم.... ولو كره الكافرون.

  • Aicha

    On va chanter, on va danser, mais c'est la vie lalalala
    On va chanter, on va danser, mais c'est la vie lalalala
    هذي ليلة وألف ليلة

  • merghenis

    جاء في مقال للكاتب عنوانه: "الحرب الدائمة"، يوم15/07/2009،الشروق
    « الحروب المسلحة ـ لابد أن تنتهي مهما يطل أمدها. ألم تنته الحروب الصليبية المسلحة التي استمرت قرنين كاملين؟ ألم تتوقف الحرب الجزائرية الإسبانية التي دامت ما يقرب من ثلاثة قرون؟ »

  • بدون اسم

    يبدو أنك أيضا "مظروب" في الرأس ونسيت ما تعلمته في الابتدائي

  • بدون اسم

    المعروف عند الوهابية أن لهم سهولة في تجنيد الجهال. كبيرهم ممول وصغيرهم مضلل ويبدو أنك تنتمي إلى الطبقة الأخيرة غير أن الجهل ليس عذرا.

  • ناصر المهدي

    ايرانية في الحدود مع العراق..بعدها ينزل سيدنا عيسى عليه السلام ليكون خليفة للمسلمين.بعد قتل الدجال..و تكون القدس عاصمة الخلافة الاسلامية و ليس الدولة الفلسطينية ..لان فلسطين تصبح امارة .و الخلافة تنضوي تحتها كل الدول و لا حدود سايس بيكو بعدها...الله اكبر..الله اكبر ..اللهم اقم الخلافة . و اجعلنا جند في جيش المهدي و ارزقنا الشهادة في بيت المقدس..امين امين و الحمد لله رب العالمين و صلى اللهم على سيدنا محمد و على اله و صحبه و من تبعهم الى يوم الدين.و السلام عليكم و رحمة الله.

  • ناصر المهدي

    السلام عليكم...انها الحرب الصليبية بعينها بل مقدمات "الملحمة الكبرى" الفاصلة و التي يخرج فيها الامام المهدي بجيشه و تكون العراق ميدانها حيث يكون فيها قذف و خسف ( يخسف بجيش بالبيداء اي الصحراءيعني "المارينز تبلعهم الرمل" لان امريكا هي الذراع المسلح لليهود.) و مسخ . و ما حرب الخليج ل1990 الا حرب استباقية خطط لها اليهود ليبعثوا فينا روح "الانهزامية" لانهم يعلمون ان الحرب كائنة لا محالة..ثم يخرج الدجال ليفتن الجيش في خلة بين الشام و العراق يتبعونه 70 الفا من يهود اصفهان عليهم الطيالسة..(اصفهان مدينة

  • بدون اسم

    إن كان لديك شيء موثق بل حقائق تاريخية وأدلة تناقض تعليقي فمرحبا بها أما تعقيبك
    الذي ليس إلا هرج ومرج فلا داعي يا صغيري

  • صالح بوقدير

    الحروب الصليبية انتهت فعلاباستسلام المسلمين وقبولهم للأمرالواقع وما مبادرتهم

    بدفع الجزيةعن يدوهم صاعرون إلادليل على ذلك فالإعتداء على المستسلمين لاتسمى حربابل تعتبرمن قبل الظلم والتجبروعدم احترام حقوق المستضعفين
    ألاترى أن كلمةالجهادقداختفت وصارت من قبيل الشرك الأكبرفي قاموس الأنظمة الحاكمة؟فتحت الباب للتطرف شوه صورة الإسلام وألحق بالمسلمين الأذى ونكل بهم وشوه صورتهم فأصبحواصيدامطلوبا لكل سكان المعمورة إضافةإلى المعارك البينية التي اتت على الأخضر واليابس فما يدعو الصليبيين إلى الحرب المقدسة؟

  • مواطن من المملكة العاشورية

    لم و لن تنتهي،تقل حدتها من زمن لآخر و لكن لن تنتهي.
    يقول عز وجل ( و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا.......)
    أما المعلق صاحب الحقائق التاريخية، هل قرأت العهد العمري لسكان القدس.
    المسلمون نشروا الدين و حرر العلا من عبادت العباد،أما النصارى فالتاريخ الحاضر يشهد( العراق سوريا البوسنة.....) قبل الماضي.

  • بدون اسم

    استعباد شعوب لولاهم لما وجد شيء اسمه البربر لولاهم لنقرضت الكثير من شعوب بسبب ....الفساد في ذلك الوقت تتحدث بما لاتفقه.

  • بدون اسم

    لايوجد احد كفره .......وايضا هو لم يكن عالم بل كان يتبع العلماء وجميع علماء زمانه كانو اشاعرة في ذلك الوقت وهذا لايعني انه كان مبتدع .......وليس ماتسميه الوهابية هم من قالوا ذلك وحسب ياعالم زمانك تبا اقرفتمونا في كل موضوع تدخلون هذا مصطلح.

  • عفريت بلقيس

    الديانات كلها مظروبة فلا تحاول ان تزكي دينك على دين غيرك

  • عابر سبيل

    تابع
    لحذرونا من اتباعه ونصرته بحجة انه اشعري العقيدة
    واذا افترضنا جدلا انه سيغير عقيدته من الاشعرية الى الحنبلية سيصنفونه ارهابيا
    هذه بعض من اثار ومخلفات ونتائج الحرب الصليبية الجديدة التي تقودها امريكا ضد العالم العربي والاسلامي
    وينفذها الاغبياء ممن يتولون امرنا سواء الحكام منهم و (العلماء)...اي اولوا الامر

  • عابر سبيل

    هل انتهت الحروب الصليبية
    في نظري الذي انتهى منها هو الجانب العسكري الذي يستهدف احتلال الارض اما الجانب الفكري والعقدي والثقافي فمازال قائما بل وعليه المعول عليه لاحتلال العقول ليزرعوا فيها ماشاؤوا من افكار وعقائد وبطرق ذكية مستغلين انبهارنا بتكنولوجيتهم الصناعية وغيرها حتى سمعنا اصواتا منا تنادي بانه لااحد فوق النقد ويقصدون بذلك الاسلام بمصدريه دون ان يصرحوا به خوفا من اهله والامثلة كثيرة
    اعود لصلاح الدين الايوبي فهذا الرجل لو بعث فينا من جديد لحذرنا من يعتبرون انفسهم الشيوخ والاوصياء على ديننا

  • بدون اسم

    فالحروب الصليبية - إذن- قبل أن تكون معارك مسلحة هي "عقيدة" قلبية، ومشاعر نفسية في عقول النصارى الغربيين...ونفس الشيء بالنسبة للحروب والغزوات التي قام بها المسلمين من عهد بني أمية في القرن 7 وحتى قبله الى إنهيار الإمبراطورية العثمانية في بداية القرن 20 فهم أيضا توسعوا على حساب شعوب عدة في آسيا وإفريقيا وأروبا لنشر عقيدتهم وإستغلال خيراتهم والإستبداد بشعوبهم....فلا داعي للمغالطات بعد أن سقطت كل الأقنعة يا رجل فالحروب الصليبية والحروب الإسلامية أوما تسمونه بالفتوحات الإسلامية وجهان لعملة واحدة

  • حقائق تاريخية

    فالحروب الصليبية - إذن- قبل أن تكون معارك مسلحة هي "عقيدة" قلبية، ومشاعر نفسية في عقول النصارى الغربيين...ونفس الشيء بالنسبة للحروب والغزوات التي قام بها المسلمين من عهد بني أمية في 7 وحتى قبله الى إنهيار الإمبراطورية العثمانية في بداية القرن 20 فهم أيضا توسعوا على حساب شعوب عدة في آسيا وإفريقيا وأروبا لنشر عقيدتهم وإستغلال خيراتهم والإستبداد بشعوبهم....فلا داعي للمغالطات بعد أن سقطت كل الأقنعة يا رجل فالحروب الصليبية والحروب الإسلامية أوما تسمونه بالفتوحات الإسلامية وجهان لعملة واحدة

  • بدون اسم

    "الحقد" على صلاح الدين وصل الوهابية، لأن السلطان صلاح الدين كان أشعري العقيدة وكل من هو أشعري فهو عندهم كافر والعياذ بالله. والله من وراء القصد