..وامصيبتاه!
كدت أن أشنق نفسي بآخر شعرة من رأس زميلي “الفرطاس” حتى أرتاح من حكـّان الرّاس، بعدما رُوي لي، والعهدة على الراوي، أن أحد الطلبة وهو في معهد علوم الإعلام والاتصال، يعترف بعظمة لسانه ويقول بالفمّ المليان أنه لا يشتري الجريدة إلاّ للعب الكلمات المتقاطعة!
هذا الطالب “الله غالب”، يدرس في الجامعة وفي معهد الصحافة ليكون صحافيا، مستقبلا، فصدّقوا أو لا تصدقوا، ولاحظوا هذا البؤس الذي بلغناه، وهذا الخطر الداهم، الذي يهدّد المنظومة الوظيفية في الجزائر المسكينة!
هل يُعقل يا عباد الله، أن طالبا في المدرسة العليا للصحافة لا يعرف أهم الصحافيين في الجزائر، ونظرائهم في الدول الأخرى؟ ولا يفقه شيئا في حرية التعبير، ولا يدري بأن هناك يوما للاحتفال بهذه الحرية كل عام؟ ولا داعي للحديث هنا عن قدرته على الكتابة وبراعته في مخاطبة الآخر!
هل يدخل إلى “الخشخاش” بأن طالبا في معهد التجارة مثلا لا يعرف سعر البطاطا؟ وهل من المنطلق والمنطق أن لا يجيد طالبا في معهد اللغات الحديث بغير العربية؟
إنها المصيبة يا جماعة الخير، وحتى إن خفـّت عمّت، فإن ذلك الطالب الذي يتفنـّن في لعب “الموكروازي”، يجعلنا جميعا ندقّ ناقوس الخطر، حتى وإن كان ذلك الطالب مجرّد ضحية أو أضحية لمنظومة يتحمّل وزرها الجميع: مدرسة وجامعة وأسرة ومجتمعا ودولة!
لكن، إنه من المؤسف، بل من العيب والعار، أن تنحدر المفاهيم ونغرق في فنجان، والأمر يتحوّل إلى جريمة لا تغتفر، عندما لا نحاول تغيير الأمور من الحسن إلى الأحسن، وتجاوز السيء والأسوأ، فلن يتعلـّم من لا رغبة له في التعلـّم، اليوم وغدا!
إنها الفاجعة الكبرى، عندما تتحوّل الشهادات العليا، إلى مجرّد ورقة تـُضاف إلى أوراق أيّ ملف من ملفات التوظيف، والطامة أن المدرسة أصبحت تـُرسل إلى الجامعة حاملين للبكالوريا وليسوا ناجحين فيها، إلاّ إذا كان عن طريق الصدفة والحظ أو تشابه الأسماء!
عقلية “البوزهرون” وضرب خطّ الرمل، هي التي أخلطت المفاهيم، وبدّلت الذهنيات، وحرّضت طالب الإعلام على عدم مطالعة الجرائد ومشاهدة القنوات، وإذا طالع وشاهد، فإنه لا يبحث سوى عن التسلية واللهو والزهو والغلوّ، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم!
المطلوب هو مراجعة هذه العقليات البائدة، التي تضرّ ولا تنفع، والتي جعلت التلميذ والطالب والطبيب والمهندس والأستاذ والصحفي والقاضي والمحامي والفلاح والمير والمدير والوزير، وغيرهم من الموظفين والعمال والمستخدمين، يتعاملون مع الأشياء بمنطق “تخطي راسي”، أو في أحسن الأحوال “ما تشوف عين ما يوجع قلب”!