-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أخطاءُ التاريخ

الشروق أونلاين
  • 1565
  • 0
أخطاءُ التاريخ

من الإساءة البالغة للثورة الجزائرية أن تصل إلى ما انتهت إليه من شيخوخة وترهّل وانعدام القدرة على مواصلة مشروع البناء، وهي بعدُ في عز فتوّتها التي كان من الممكن أن تكون “لقاح الأمل” ومحرّك الإقلاع وبرنامج التحرر للعرب والمسلمين والأفارقة والإنسانية كلها، لو لم تصبها آفات المصالح والصراعات العقيمة..

عرفت الساحة الاجتماعية الوطنية في الجزائر، ومنذ الاستقلال سنة 62 أزمات عديدة، وأحداثا مختلفة، تبدو في ظاهرها وليدة عهد الاستقلال، بينما هي في الحقيقة تنحدر من فترة ما قبل الاستقلال، وما قبلها، وكانت بمثابة بذور نائمة تنتظر الظرف المناسب لتتحرك، وتنمو وتصبح الشغل الشاغل، ومن ذلك عدم إعداد وثيقة كيفية إدارة حركة الثورة، وعدم إعداد وثيقة ما بعد الاستقلال.

ولكي لا يُظلم الشهداء، ولا يُهضم الأحياء في حقهم ينبغي توضيح مبررات وأسباب عدم إعداد الوثيقتين سابقتي الذكر، وهي أسباب ومبررات عديدة ومقنعة، وذكرها في سياق التقييم التاريخي لا يقدح في قيمة وأهمية منجزات الثورة وهي تعود في مجملها إلى الواقع الاستعماري بأوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة على القهر والإذلال والاستغلال. كانت بكل ذلك عامل ضغط شديد الوطأة على النفوس، لذلك كان التركيز كله على هدف وحيد هو: ضرورة القضاء على الواقع الاستعماري بكل ما يمكن، باعتباره أولوية الأولويات. كذلك اعتبرت قضايا تسيير الثورة، ومرحلة ما بعد التحرر بمثابة ترف سياسي لا أهمية له في واقع الثورة ومصيرها. وهذا منطق الظرف، وهو منطق يفقد قيمته تلقائيا عندما يتجاوزه الظرف، وذلك ما حدث فعلا وواقعيا وميدانيا؛ إذ بعد أن رسخت الثورة وصارت قضية اجتماعية وطنية لا يشذ عنها إلا خائن برزت مشكلة الخلاف، ثم الصراع بين جناحي الثورة: العسكري، والسياسي، وهو الصراع الذي سالت فيه الدماء، وخسرت فيه الثورة عددا غير قليل من قادتها وجنودها المخلصين.

ورغم مرور نصف قرن، فإن تداعيات الصراع بين الجناح العسكري والسياسي لم تتوقف بعد، بدءا بانقلاب قيادة جيش التحرير الوطني على قيادة الحكومة الجزائرية المؤقتة إلى إلغاء المسار الانتخابي في تسعينيات القرن الماضي.. إلى ما يُقال عن التوترات والخلافات في العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، والذي سال حوله حبرٌ كثير وجرى حولها كلامٌ كثير في وسائط الإعلام المختلفة… وهو خلاف مرشح للبقاء والمزيد من الأطوار والتطورات إلى أن تترسخ وتتبلور الرؤية الوطنية الشاملة للقضايا بدل رؤية المؤسسات الجزئية وصراعاتها التقليدية، وكل ذلك يقتضي التخلص التدريجي من المحسوبية، والجهوية، وصراع الإيديولوجيات واللغات، وقبل ذلك كله ينبغي إعادة الاعتبار لشعارات الوطنية، والقيم ـ كل القيم ـ وبخاصة صدق الكلمة، كلمة الرئيس، وكلمة الوزير، والقائد، والقاضي، والأستاذ والمعلم.

القضية الثانية: قضية مرحلة ما بعد الاستقلال.. كيف ستكون؟ وما هو النمط الحياتي الذي ينبغي اعتماده؟ وهذا التساؤل يفرضه واقع المجتمع الجزائري سنة 1954، فهو بحكم الواقع الاستعماري، واقع فرنسي، سياسيا، واقتصاديا، وصناعيا، وزراعيا، ولغويا مع جالية كبيرة من المستعمرين الأوروبيين العنصريين، ومن حيث الحقيقة التاريخية والحضارية مجتمع عربي مسلم تعرّض للتدمير الممنهج لكيانه السياسي والاقتصادي والعقدي واللغوي طيلة قرن وثلث قرن.

وذلك ما جعل فترة ما بعد الاستعمار فترة فراغ حتمي يحتاج فيها المجتمع ـ في الحد الأدنى ـ إلى مرحلة انتقالية ريثما تتم مناقشة البدائل واختيار ما يناسب المجتمع في كل مؤسساته ومواقف حياته، لكن ذلك لم يحدث مع الأسف الشديد للأسباب المعروفة.

وكما تم اختيارُ النمط الاشتراكي بإرادة فوقية متعالية، كذلك تم تكريس الموروث الاستعماري لغويا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، في إطار الشرعية الثورية التي تفلح في علاج جروح مرحلة الاستعمار ولم تنجح في جسْر الهوة التي أحدثتها الأخطاء بين السلطة والمجتمع، وكانت النتيجة الطبيعية لكل ذلك ما يعاني منه الواقع من اهتزاز الثقة بين السلطة/ الدولة والمجتمع؛ فنحن ـ في الواقع ـ نعاني من مشكلة نظام بلا مجتمع يسانده ويدعّمه، ومجتمع بلا قيادة تنصفه وتمكّنه من حقوقه، كل حقوقه بلا منّ ولا تقتير.

إن ما يعاني منه الواقع من الأزمات إنما هو النتيجة الطبيعية لأخطاء تاريخية لها ما يبررها في حينها، وليس لها ما يبررها في الواقع، كما أنه ليس لها مبرر في الاستمرار والترسخ.

 وما يبررها، إذا اعتمدنا التحليل الموضوعي على مدار العقود السابقة، ونقول هذا بكل صراحة وصدق وموضوعية، إنما هو إيثار المصالح على الواجبات والمبادئ والقضايا، وإنه لمن الإساءة البالغة للثورة الجزائرية أن تصل إلى ما انتهت إليه من شيخوخة وترهّل وانعدام القدرة على مواصلة مشروع البناء، وهي بعدُ في عز فتوّتها التي كان من الممكن أن تكون “لقاح الأمل” ومحرّك الإقلاع وبرنامج التحرر للعرب والمسلمين والأفارقة والإنسانية كلها، لو لم تصبها آفات المصالح والصراعات العقيمة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!