أيها الأوربيون: طلعت ريحتكم
ربما يمكننا القول إنه باستثناء الموقف الألماني من قضية اللاجئين المستند بشكل شبه كامل إلى المصالح الاستراتيجية لألمانيا، فإن الموقف الأوربي بمجمله يشكل عارا كبيرا لأوروبا: غنيها وفقيرها، غربيها وشرقيها، سياسييها وأحزابها والأغلبية الكاسحة من مجتمعها المدني.
لماذا؟
حاولت فرنسا ومعها الدول الأوربية أن تحمّل المجر المسؤولية الأخلاقية في موضوع اللاجئين، لكن المجر رغم عجزها الإعلامي والسياسي عن مواجهة الحملات الأوربية، إلا أنها تمسكت بموقفها الرافض لهؤلاء اللاجئين وقالت إنها تنفذ قوانين الاتحاد الأوروبي، أي إن المجر كشفت بموقفها هذا الذي لم يرضَه العالم أخلاقيا عن النفاق الأوربي في التعامل مع مشاكل العالم. وهنا أصبحت أوروبا مكشوفة على المباشر أمام الدنيا بأكملها.. وسارعت إلى ترقيعه لكن دون جدوى حتى الآن.
وألمانيا بإصرارها على استقبال اللاجئين استنادا إلى مصالحها الاستراتيجية الديموغرافية والاقتصادية والثقافية ساعدت وساندت جوهريا الموقف المجري.
فأوروبا تقف اليوم عارية أمام التاريخ..
كيف؟
كلنا يعرف أن بودابست التي سحقتها موسكو عام 1956 حين حاول رجُلها إمري ناجي التمرد، وكذلك تشيكيا التي أذلتها الدبابات الروسية عام 1968 بعد محاولة تمرد، هي دول وشعوب غير متدينة. فلماذا اعتبرت دين هؤلاء اللاجئين سببا لرفضهم؟ هل هناك مشكلة دينية في هذه الدول؟ نحن نعلم أن في دول أوروبا الغربية التي تدعي أنها دول علمانية وغير دينية، مشكلة بل مشكلات دينية عميقة وعويصة تهدد ببروز إثنياتها القومية والدينية على حساب كيانها السياسي أو الدولاني ـ إن صح التعبير. وبلغة أخرى، إن التحالف المتوقع بين الشرق وأوروبا، الذي تحدّث عنه هينتغتون لم يمكن تفاديه سواء بخلق طالبان والقاعدة وداعش والأكراد واليزيدين والشيعة، فهذا الشرق بكله وكلكله يتدفق نحو أوروبا وكأنه شلال من البشر ينهمر فأخذ في لحظاته الأولى يحك القشرة الأوروبية ويكشف ما يمور تحت جلدها من دمامل وقروح تنتمي إلى العصور الخوالي، ويبدو أنها تقيحت فلم تعد بحاجة إلى سوى هذه الموجة لينتشر نتنها الخانق.
والمضحك المبكي في هذا الشلال البشري أنه تدفقٌ سني؛ فليس بين المهاجرين السوريين أو حتى الأفغان علويٌ شيعي واحد.. أي إن الساحة تُفرغ من السنة لهؤلاء الشيعة الذين تدّعي أوروبا أنها تقاوم دولتهم في إيران التي ترى أن أتباعها الدينيين، في سوريا ولبنان خصوصا، هم في طريقهم لأن يكونوا الأغلبية، فيسقطون في يد السعودية وتركيا اللتين تدّعيان حماية السنة؟ وربما يؤدي الأمر إلى تكوين الدولة الدرزية التي وعد بها شارون وليد جنبلاط عام1982 حين التقاه في المختارة فتتكوّن دولة مسلمة لا سنية ولا شيعية تؤمن بألوهية الحاكم في مقاربة مع مفهوم الفقيه الشيعي، ومفهوم الفرعون الذي يتجه إليه السيسي في مصر.
وهنا لدي عدة أسئلة أوجهها إلى الأوربيين:
1- ما معنى إشارة رئيس وزراء المجر إلى احتمال تدفق مهاجرين من شمال وغرب إفريقيا إلى أوروبا؟ هل هناك نية لدى أوروبا في تعميم ما تسميه الربيع العربي إلى هذه البلدان؟
2- ما معنى السكوت الأمريكي المطبق عن مشكلة اللاجئين العرب المسلمين؟ هل هو إضافة إلى سكوتها عن مشكلة مسلمي ميانمار وآسيا؟
3- ما معنى مقابلة السفيرة الأمريكية لمسؤول حزب إسلامي في الجزائر، وفي نفس الوقت تدعيم موقف الإسلاميين في المغرب المجاور، هل هناك نية لإيصال الإسلاميين إلى السلطة كما خطط معهد راند في 1996 للضغط على أوروبا؟
4- لماذا لم يجتمع أصدقاء الشعب السوري حين بدأت تظهر الكوارث التي نجمت عن دعمهم من قالوا إنهم معارضة بالمال والسلاح، فهذا المال وهذا السلاح ساهما في صنع الكوارث تماما كما ساهم السلاح والمال الروسي والإيراني والسعودي في صنعه؟
5- هل نجحت أوروبا بالتحالف مع أمريكا في تفتيت العرب عبر مخطط إعادة الشرقنة؟ أم إن أمريكا هي التي نجحت في تصدير المشكلات الطائفية والعرقية إلى أوروبا وهاهي تهدد الاتحاد الأوروبي حيث بدأت الدول الأوروبية ترجع إلى مصلحتها القومية غير الاتحادية، أي إنها تفعل الآن ما تفعله الدول العربية حين رفضت الوحدة فغرقت في مشكلاتها الذاتية حتى إنها تعجز عن معالجة القمامة فـ”طلعت ريحتها”، وهاهي “ريحة” أوروبا النتة “تطلع” أيضا في نفس الوقت؟
6- هل نسيت أوروبا أن الشرق جارها الأبدي، وأنه ليس بإمكانها إغراقه في البحر المتوسط، وأن الذي يغرق فيه هو ادعاءاتها بالإنسانية وبالعلمانية؟
7- ماذا عن مستقبل حلفاء أوربا التقليديين في العالم العربي والإسلامي؟ ماذا عن الفرانكوفون وعموم المتأوْربين في الجزائر ودول المغرب العربي وحتى دول إفريقيا؟ ألم “تطلع ريحتهم” هم أيضا وهم يفشلون في كل شيء وخصوصا الحفاظ على مصالح فرنسا وأوروبا عموما؟
8- هل يعتقد العقل الاجتماعي الأوروبي أن شقه السياسي يقف في المكان الصحيح من قضايا الشرق والوطن العربي بما فيها إسرائيل والمسألة القومية والمسألة الدينية وإيران؟
9- ماذا لو تمكنت ألمانيا من إعادة بناء نفسها عبر هؤلاء اللاجئين العرب كما بنتها من قبل على أكتاف الأتراك؟ وماذا لو نبت تحت الجلد الأوربي تحالف اجتماعي عربي ـ تركي؟
ومن باب النكتة والظرافة أذكّر القارئ أنه في التراث الغنائي العربي المصري القريب أغنية عنوانها “ليالي الأنس في فيينا” وأتمنى أن يعود القارئ إلى هذه الأغنية وتاريخها والتاريخ السياسي لمغنيتها ويسقِط الماضي على الحاضر. وأما الثانية فهي أيضا في مجال الفن، فهناك في بلاد الشام وخاصة لبنان أغنية تؤدى في الدبكات الشعبية تقول: “باريس يا مربط خيلنا”.. فهل ستتمكن ألمانيا، ذات يوم آت، من احتلال باريس بهؤلاء “الدبيكة اللاجئين” خاصة أن الفرنسي في قرارة أعماقه لا أعداء له سوى الألمان والإنجليز واليهود.. وهم أعداؤه التاريخيون؟