الأمن القومي العربي فوضى المصطلح وكارثية الواقع
يحمل هذا المصطلح الجديد في قاموس الدولة العربية المعاصرة دلالات عديدة أولها على الإطلاق أن هناك أخطارا تتهدد الأمة من جهة الخارج أو الداخل وأن ما يراد بالأمن القومي هو سياج الحماية لمصالح الأمة بل ووجودها من مخاطر على أكثر من صعيد اقتصادي وثقافي وأمني وعسكري..
لقد استبدلت الثقافة السياسية العربية المعاصرة بهذا المصطلح مصطلحات حساسة في وعي الأمة وثقافتها كالإخوة والوحدة والنصرة والولاء وحياض الأمة.. وأصبح مصطلح الأمن القومي العربي بديلا عن كل تلك المصطلحات ورغم أن هذا يحمل في داخله أزمة معرفية وعقدة نفسية من اللجوء إلى مصطلحاتنا الخاصة فهو أيضا يفقد الحس العقائدي المؤثر الذي يربط المصطلح بالواقع..
وعند شرح الخطاب العربي السياسي نكاد لا نتفق على تفسير موحد لهذا المصطلح. وهنا نتساءل: هل مهددات الأمن القومي العربي تدفعنا إلى الاتفاق على مواجهة الأخطار؟ وهل يعني هذا ترتيب الأخطار؟ فمثلا هل نعتبر الكيان الصهيوني من الأخطار التي تهدد الأمن القومي العربي؟ هل نعتبر ما يجري في القرن الإفريقي من استهداف لوحدة بلدانه واستقراره خطرا على الأمن القومي العربي؟ هل نعتبر أن ما يجري في سوريا من محاولة استعمارية دؤوبة لتفتيته وتشتيت مكوناته خطرا على الأمن القومي العربي؟ هل نعتبر أن ما يجري في الساحل وفي صحراء المغرب العربي ضربا من ضروب الأخطار الأساسية على الأمن القومي العربي..؟
فماذا كانت إجابتنا على الأخطار المحدقة بالأمن القومي العربي..؟ الذي حصل أن كثيرا من دول العرب اتجهت إلى تعزيز علاقاتها مع القوى الغاشمة التي عاثت في حقوقنا وأرضنا فسادا، كما حاصل مع إسرائيل وأمريكا ومعظم الدول الغربية..؟ من جديد نطرح الأسئلة: ما هو المقصود بالأمن القومي العربي الذي أصبح سلعة اليوم.. بعد شعاراتنا الفائتة الوحدة العربية والمارد العربي والقومية العربية..
ولنعد إلى ترتيب أوراق الأمن القومي العربي فنقول إن عناصر الأمن القومي العربي هي استقلال فلسطين وأمن الخليج وتحرره من الضغوط الأجنبية وسلامة سوريا من كل ما يراد بها وسلامة المغرب العربي من فتنة القتل المبرمج.
لا بأس أن يحتوي تنوع الفعل العربي هذا الفعل السياسي الخاص، ولكن لا بد أن يكون مبنيا على وعي وضمن تراتبية مدققة وإلا أصبح العمل العربي ضد الأمن القومي العربي.. وللأسف، لا يوجد ضامن مرجعي للأمن القومي العربي بعد أن فقدت الجامعة العربية الحد الأدني من أهميتها، بل لعلها تكون تورطت في سلوك أضر كثيرا بالأمن القومي العربي بعد تورطها في صناعة الغطاء السياسي لحرب استهدفت بلدانا مهمة من بلاد العرب: العراق وليبيا.
إننا نواجه فوضى مصطلح وندرك أن هذا الفعل مقصود تماما لإحداث مزيد من الاستدلالات غير المنطقية والعلمية مما يزرع البلبلة في صفوف المثقفين والساسة في التحليل والاستشراف.. وبهذا نفقد مادة مرجعية ترسم الخط لسياسي لدولنا وحركاتنا السياسية، سيما تجاه الأجانب.. لذا يمكن أن تسلط علينا القنابل والابتلاءات تحت غطاء وحجة الموقف العربي.
بعد تقليب الأمر على زواياه العديدة نكتشف أن المصطلح لا علاقة له بالأمن القومي العربي وأنه مجرد مصطلح يقوم بالترويج له أطراف في المنطقة يقصدون منه خدمة المصالح الغربية في المنطقة بما يحقق صداقة أو تحالفا أو سكوتا من قبل الغربيين تجاه هذه الدولة أو تلك..
في الممارسة، الأمن القومي العربي الذي يتم الحديث عنه يسير في اتجاهين، التصدي لحالات المقاومة في الأمة ومن جهة أخرى تعزيز مصالح الغربيين في المنطقة وحراستها.. وتبرز لنا كل التحديات والقضايا التي تؤرق الأمن القومي جملة ولا نجد أن دعاة الأمن القومي يقتربون من معالجتها أو الحديث عنها إلا كلاما سطحيا لا فعل بعده. فيما الأماكن الساخنة كدول الخليج وإماراته فهي تستدعي الأمن القومي العربي ونحن ندرك أن القواعد العسكرية الغربية قادرة على حماية دول الخليج من أي محاولة إيرانية حسب تصورهم للاعتداء على دول الخليج.
لا شيء الآن يمكن إدراجه تحت عنوان مخاطر على الأمن القومي العربي سوى إيران.. وينظر بعين الأمن القومي العربي إلى النووي الإيراني على أنه خطر وأن التسلح الإيراني وتطوير فنون القتال الإيرانية إنما هي من الأخطار التي تهدد الأمن القومي..
لقد دخلت الحكومات الإسرائيلية على هذا الخط من زاوية تسمح لها بإقامة علاقات استراتيجية في المنطقة مع إمارات ودول في الخليج كما صرحت بذلك ليفني، وزيرة الخارجية السابقة، وتكون حصلت على تفاهمات استراتيجية معها للتصدي لمناورات عسكرية إيرانية محتملة.. وهنا يتم النزف المالي من خزائن هذه الحكومات العربية لشراء أسلحة ومن جهة أخرى يتم غرس شبكات تجسس إسرائيلية فضلا عن الغربية في الخليج بحجة التصدي لإيران.
إنه مصطلح فوضوي مخادع وإنها ممارسة سلبية ضارة.. رغم هذا فنحن محتاجون فعلا إلى حماية أمننا القومي العربي وأول خطوة ينبغي أن تكون في اتجاه إنقاذ فلسطين من جريمة العصر العنصرية وإتاحة المناخ كاملا لتنامي الروح الإنسانية بإقامة حياة الناس على التكامل والتعاون..
إن التفات أصحاب الرأي ورجال السياسة إلى ما ينفع الأمة يعني بوضوح تحديد أولوياتها وتريب خطواتها على قاعدة الأولى فالأولى لعلنا نستطيع الخروج من مأزقنا الحضاري الكبير ونعيد إلى المصطلحات قيمتها ودورها.