الجزائر تتلمّس طريقها في عيد الثورة
عاش الجزائريون الذكرى الـ66 لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة في سيَّاق وطني يعزز تشبُّثهم بمنجزات الاستقلال الوطني، ويطرح عليهم تلك الأسئلة المشروعة بشأن واجبات المرحلة ورهانات المستقبل، لصيانة قيم الثورة المتجددة في وسائلها ومظاهرها ومكتسباتها وفق تطورات المجتمع والدولة.
لا شكّ أن الثورة الجزائرية في ظروفها الاستثنائية منتصف الخمسينيات، وبالنظر إلى معطياتها الميدانية وملابساتها بقياس فارق القوى، شكلت من منظور الخبراء الاستراتيجيين، معجزة شعبية تفتَّقت عنها عبقرية العقل الجزائري وصنعتها البطولة الملحمية والعزيمة الفولاذية في التحرر من نير الاحتلال الغاشم، لشعب أبيّ لم يعرف الخنوع في تاريخه الأزليّ، حتّى استجاب القدر لإرادة الجزائريين مرة أخرى في دحر فرنسا التي مثّلت أعتى قوة عسكرية مدعومة بالحلف الأطلسي، مقابل ثمن باهظ في الأرواح، قدمه الأحرار فداءً غاليا لاسترجاع سيادتهم الوطنية.
إذا كان من حقّ الجزائريين، آباء وأبناء وأحفادا، الفخر بذلك المجد الساطع الذي رفع ذكرهم بين العالمين وخلّد تاريخهم عند الأمم، فإنّ ثورة الفاتح نوفمبر بما صنعت من حياة جديدة لشعبنا بعد قرن وثُلث قرن من الاستعمار الاستيطاني الغاصب، وبما أشرقت به من إشعاع ثوري وحضاري وإنساني على البشرية التوَّاقة نحو الكرامة، يضع صانعي تلك المعجزة الفعليّة، أو من بقي منهم على قيد السلطة والحكم في كافة المستويات، ومعهم الأجيال الجديدة، أمام مسؤوليات تاريخية ومعنوية في تجسيد مبادئ ثورة التحرير وأهدافها، بل ونقل رسالتها نحو العالم الذي تحرّر جزءٌ كبير منه في القارة الإفريقية بفضلها، دون أن يدفع ضريبة تؤهِّله لذلك، سوى انشغال فرنسا عبثا بقمع الثوار الأشاوس في جبال الجزائر ومُدنها، ليقينها أنها بوابة السيطرة على المنطقة.
لسنا بصدد محاكمة التاريخ، ولكن في سياق قراءة الحاضر، فإنه من الواجب أن نسائل أنفسنا اليوم: ماذا تحقق من قيم نوفمبر الخالدة؟ صحيح أنّنا طردنا الجيش الفرنسي شرّ طردة، فخرج صاغرا يجرّ أذيال الهزيمة، لكن دون أن نتخلّص بعد 58 عامًا من لوثاته اللغوية والثقافية والفكرية والاقتصادية.
بل إنّ السؤال الأكثر إحراجًا، والذي لا مفرّ منه في الذكرى الـ66 لتفجير ثورة نوفمبر، هو: هل تمكنت الجزائر المستقلة من “إقامة الدولة الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة، ضمن إطار المبادئ الإسلامية”؟
صحيحٌ أن الإجابة في هذه الحالة تبقى نسبيّة، ولا يصحّ إيرادُها بالتأكيد أو النفي، لأنّ الجزائر الحديثة دولة سيدة بجغرافيتها ومؤسساتها ينعم شعبها بالحرية والكرامة كمفهوم وطني عام ممايز عن وضع الاحتلال، لكنها لا تزال تتطلّع في طريق شاقّة نحو القيم الديمقراطية والتداول السلمي على الحكم والسلطة وفق الإرادة الشعبية الحرّة، وتتلمّس مسارها إلى بناء دولة الحق والقانون والعدالة والهويّة الحضاريّة (المبادئ الإسلامية)، ودون بلوغ ذلك يبقى تحقيق الهدف الأسمى من الثورة ناقصًا، واستكماله مسؤوليّة حتمية في ذمة الخلف حتى لا تذهب تضحيات السلف هدرًا، لأنّ خروج الجيوش المُستعمِرة قد يكون مظهرا خادعا أو مناورة تكتيكية لتكريس الاستعمار في صور مختلفة وبأشكال أكثر عمقا واستدامة من التواجد المادي الذي يشكل دوما استفزازا نفسيّا وحضاريّا للضمير الجمعي للأمة، فتثور ضدّه عن بكرة أبيها.
من الأهداف الداخلية كذلك التي وثّقها بيان أول نوفمبر الخالد “التطهير السياسي بإعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي والقضاء على جميع مخلفات الفساد وروح الإصلاح التي كانت عاملا هاما في تخلفنا الحالي”، بهذا التوصيف شخّص قادة الثورة أزمة النخبة الوطنية قبل 1954، واليوم كأن الجزائر تراوح مكانها لا تبرحه نحو الأمام؛ فلا تزال المعركة ضد الفساد المستشري فوق الخيال، ومرتكز الخطاب السياسي هو الإصلاح، وإذا لم نفلح في القضاء على تلك الآفة الناخرة للدول، فإنّ أعمال المفسدين ستظل عصًا غليظة تشدّ عجلة الثورة فلا تتحرّك نحو هدفها التاريخي المنشود.
كما خطّ روادُ الثورة ضمن أهداف الثورة “تجميع وتنظيم جميع الطاقات السليمة لدى الشعب الجزائري لتصفية النظام الاستعماري”، وإذا كان ذلك هو الوسيلة في زمن التحرير، فإنَّ مقتضيات التعمير توجب اليوم توحيد الجزائريين لتصفية تركة النظام الاستعماري في كافة الجوانب والمستويات، وأنّ إقلاع الجزائر الجديدة لن يكون إلا بجمع الكلمة والسواعد، ولن يتحقق بهيمنة فريق على آخر، مهما سمت إرادتُه وصدق منه العزم، لأنّ الجزائر بكلّ أبنائها ولكل أبنائها.