الجزائر في الطريق الصحيح عندما تتألم فرنسا!
منذ حراك 2019 المبارك، ظلت فرنسا الرسمية تناور في علاقتها مع الجزائر، خطوة إلى الأمام ثم أخريات نحو الخلف، في محاولة يائسة لإحداث ثقب في جدار الصدّ الوطني المتمسك بحماية المصالح الإستراتيجية العليا وفرض النديّة البراغماتية والسيادة الكاملة وصون ذاكرة الشهداء، من دون أي مساومة أو تنازل للاستعماريين الجدد، الحالمين بخيرات “الفردوس الضائع” وتكريس التبعية الثقافية والاقتصادية.
لذلك، فإنّ استمرار الهجمات الإعلامية العدائية من الإعلام الفرنسي الرسمي والمستقلّ على السواء، ومثله خطابات الكراهية المتوالية من السياسيين الفرنسيين، حتى وصل الموقف حاليّا إلى تحريش الأزلام المأجورين من الخونة مزدوجي الجنسيّة، يُنبِّئ بمستوى القلق البالغ الذي ينتاب باريس من توجُّهات الجزائر في عهدها الجديد.
هذا الوضع المربك جدّا يدفع صانع ماكرون وحاشيته الحاقدة إلى ممارسة لعبة الاستهداف الداخلي ضد الجزائر والابتزاز بالملف الإقليمي، للمساومة من أجل إعادة التموقع في صياغة قرارنا الوطني، بما يخدم أطماعهم الاقتصادية والثقافية والسياسية والدبلوماسية وحتى العسكرية، ولكن هيهات أن يظفروا بشيء من أوهامهم القديمة.
الفرنسيون يعرفون جيدا الرؤية المبدئيّة للرئيس عبد المجيد تبون من طبيعة العلاقة المفترضة مع دولة الاستعمار القديم، فضلا عن قناعاته العقديّة تجاههم، ليس فقط بعد استلامه مقاليد الحكم في قصر المرادية قبل خمس سنوات، بل منذ تكليفه بالوزارة الأولى في 2017، وقبلها على رأس قطاع السكن، فهو الذي عطّل الاستيراد العشوائي من فرنسا، وخاض معركة جامع الجزائر الأعظم على أنقاض “لافيجري” في منطقة المحمَّدية، ولا تزال ذاكرتهم المصدومة تحتفظ بتصريحاته المدوِّية بهذا الخصوص.
خيار الجزائر السيادي هو ما يدفع فرنسا اليوم إلى التكالب عليها، بعيدا عن حرية التعبير المزعومة، فلم تكن يوما تلك المؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية والحزبية، سواء في فرنسا أو عن طريق وكلائها، سوى أدوات وظيفيّة في خدمة أجندات الإليزي واللوبيات المرتبطة به، عندما يتعلق الموقف بالشأن الجزائري.
لو كانت باريس مطمئنة على مسار التحوُّلات في الجزائر لما صرخت أبواقها ولا ثارت ثائرتها ولما تخبّط أذنابها، لذا من الواجب الآن مؤازرة مؤسسات الدولة في معركة تعزيز خيار تثمين الاستقلال وتكريس السيادة الوطنية، بهدف إحداث القطيعة مع أحلام الهيمنة المادية الفرنسية والتبعية الثقافية لها، لأنّها واحدة من العقبات الأساسية أمام مسيرة البناء والتنمية والديمقراطية في الجزائر منذ 1962.
إن تلك الهجمات العدائية المتجدِّدة تثبت الحقيقة المعلومة لدينا تاريخيّا، وهي أن فرنسا الخبيثة تبقى العدو التقليدي والأبدي للجزائر، دولة وشعبًا، ولن تتخلّص من مرضها النفسي تجاه بلادنا، لأنّ العداء مدفوعٌ في عمقه بروح الانتقام من الهزيمة النكراء للاستعمار على يد الجزائريين الأشاوس، ما أدّى ليس فقط إلى فقدانها الفردوس المغتصَب، بل التعجيل برحيل جيوشها الوحشية من القارة الإفريقية مع مطلع ستينيات القرن العشرين.
كثيرٌ من النخب العربية المستلبَة رأت في فرنسا بلاد الأنوار، باعتبارها موطنا لفلاسفة التنوير والعقلانية، ومهد الثورة الأوروبية الحداثية في 1789 ضد تحالف الكنيسة مع الأرستقراطية، لكنها أعمت أبصارها عن الحقيقة الساطعة، وهي أنّها مارست أبشع استعمار للآخرين خلال القرنين الـ19 والـ20، وفي وقت كانت تتغنى بشعارات الإنسانية الزائفة: حرية، أخُوَّة، مساواة؛ فقد صادرت حريات الشعوب وانتهكت سيادة الدول، معتبرة نفسها باستعلاء جنسًا بشريّا من الدرجة الأولى، وظيفته الحضارية تمدين المستعمرات البدائية، وما هي إلا خدعة مفضوحة للتغطية على أطماع النهب والاستغلال، وقد أثبتت سلوكياتُ المستعمِرين الفرنسيين منذ بداية الاحتلال في الجزائر أنهم أسوأ لصوص متعطّشين للثروات والكنوز والأموال، ومتجرِّدين من أدنى الأخلاق الآدميّة، إذ لم يسلم من بطشهم الحيواني لا الدين ولا اللغة ولا الثقافة ولا المعابد ولا حتى القبور الآمنة.
ومع كل الأفعال الاستعماريّة الشنيعة التي لن يمحو عارَها التقادمُ ولا استرجاع سيادة الدول، فإنّ باريس ظلت تكابر في إنكار الحقيقة البازغة، بل إنها تجتهد في تثبيت زيفها مجددا، بتخليد دورها الحضاري المزعوم، عبر تزييف وعي ناشئتها في المدارس من خلال قانون 23 فبراير 2005، لذلك ستظلُّ فرنسا آخر دولة يمكنها تلقين العالم دروسًا في احترام حقوق الإنسان أو انتقاد الآخرين في علاقتهم بصيانة الحريات وكرامة المواطنين وتكريس الديمقراطية.
لقد خبِر الجزائريون عبر تجربتهم المريرة مع الاستعمار الفرنسي البغيض، أنه كلما كشَّرت باريس عن أنيابها، وأطلقت العنان لأبواق الحقد الإعلامي والسياسي ضد بلادهم، فإنهم على الطريق الصحيح في مواجهتها والتحرُّر من آثارها المسمومة، وإذا رضيت عنهم بتزكية قراراتهم أو السكوت عن مواقفهم، فهو الدليلُ على سقوطهم في حبال الخديعة، لا قدّر الله.
على أحفاد بيجو وبيجار ودوغول، المسكونين بأوهام الكولونيالية القديمة، أن يستوعبوا جيدا أن الاستمرار في استعداء الجزائر لن يجعلها تخسر شيئا في الوقت الحالي، لأنها اليوم دولة كبيرة ومحورية في الإقليم الإفريقي والمتوسطي، بمقوِّمات جديّة على المدى القريب، ومنخرطة في تكتّلات دولية لها وزن مؤثر في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم نحو تعدد الأقطاب، بل حتى داخل الفضاء الأوروبي لها شركاء فاعلون، على غرار إيطاليا وألمانيا والبرتغال.