الحليم الحيران في بلاد العربان
من لم تقتله الديمقراطية على قارعة الطرق وهو يتغنى بأحلامها قتلته الانقلابات التصحيحية باقتحاماتها، ومن لا تدوسه الدبابات تحت “سلاسل عجلاتها” قتله التهميش والمرض والقهر.. ومن اخطأته التفجيرات والمفخخات ابتلعته أمواج البحر العاتية فارا “حراڤا” من بلاد ضاقت فيها الصدور فأصبحت الحياة فيها جحيم.. هذا حال العرب اليوم أو هو ما يراد للعرب اليوم في بلادهم.
في العراق انتخابات على وقع التفجير والحرب وفي مشهد تراجيدي يعلن المالكي فوزه على الضحية المقتولة او المسجونة او المحاربة او الهاربة.. ويرفع بيده منتصرا منتشيا وقد أسقط خصمه أرضا.. وفي ليبيا يتحرك جنرال مغمور معلنا تطهير البلاد من الإخوان المسلمين مع ان البلاد لا يمثل فيها الإخوان الا قلة سياسية، ولكن يبدو انه يساير موضة الحرب على الإخوان.. في العراق كله تفجيرات وحرب زادتها الانتخابات استعارا، وفي ليبيا تفجيرات وطائرات امريكية بغير طيار تقصف ليبيين والبلاد كتلة لهب واستنفار في كل مكان، حيث تتوزع المليشيات المتعددة.
ماذا يريد المالكي والمليشيات الطائفية وجنود الخفاء، وماذا يريد حفتر والمجموعات المسلحة، وماذا يريد زعماء القتل تحت كل العناوين؟ ماذا يريدون؟ لقد أرادت الشعوب تغيير النظام، ولكنها لم ترد أبدا بعثرة كل شيء، والانتهاء إلى لا شيء.. نعم، أرادت الشعوب ان تحسن أمور معيشتها وحرياتها، وان تسترد كرامتها التي وهبها الله، ولكنها لم تكن تتخيل هذا الحجم من الخراب والدمار، وأن الحكام الجدد أسوأ من السابقين بلا قياس.. هل ما يفعله المالكي وما تفعله المجموعات المسلحة وما يفعله حفتر هو الجزاء الأوفى لشعبين عربيين كريمين استبد بهما الحاكم حتى اصبحا ملك يمين له فثارا عليه او بمعنى اصح اضطرا او تجاوزا للتعاون مع المستعمر المجرم ضده.. هل هذا جزاء الشعب العراقي المظلوم..؟ وهل هذا جزاء الشعب الليبي المظلوم؟
ان الحليم اصبح حيران، فيما آلة القتل تحصد بلا رحمة في بلاد العرب خيرة شباب الأمة وتقض مضاجع الآمنين، واصبح التشريد والرعب هو سيد المكان.. فدمشق الآمنة المطمئنة، وحلب الرائعة الوادعة، وحمص وتاريخها الحضاري العميق، وحماة ونواعيرها ودرعا وسهوبها، والفرات ودجلة ومدينة السلام، المدينة الدوارة وبنعازي الجبل الأخضر وأهله الكرام.. كل شيء يبكي دما الآن في بلادنا، ومن هو المسئول؟ من يوقف القتل؟ من يوقف المهزلة؟ من يتصدى للموت الأسود؟
رغم كل هذا، فلن تضيع الأمة، ولن تنتهي مهمتها.. انها المرحلة القاسية التي تصقل الأمة وتمحص إرادتها وتزودها بالخبرة والوعي الكافي لاجتياز العقبة الكؤود نحو نصر معلق على رؤوسها لتقوم بمهمتها الضرورية لنجدة البشرية المعذبة الرهينة والحبيسة لمناهج الاستحواذ والأنانية.. تولانا الله برحمته.