السلفيون خارج ثقافة التسامح
يحفل التاريخ الحضاري الإسلامي بتسجيل محطات ووقفات مضيئة فكريا في التعامل مع بعضها البعض والانفتاح على الآخر وإن سجل في بعض فصولها اشتباكات يقتضيها حال التشبث بالرأي والتعصب له وللمدرسة التي ينتمي إليها سواء أكانت فقهية أو فلسفية، إلا أن اللحظة الفارقة كانت عند المحنة التي تعرض لها إمام السلفية أحمد بن حنبل الذي يعتبر أول من استخدم مصطلح السلفية حينما تحدى السلطة القائمة آنذاك بخصوص إلزامه بإقرار “خلق القرآن” فجاء في كلامه أنه يريد بالأمة أن تعود لعهد السلف الصالح ولكن هل سلفية أحمد بن حنبل هي نفسها السلفية المعاصرة التي خرجت من رحم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالحجاز والتي رفعت السيف وأعلنت الخروج عن طاعة الخلافة العثمانية وتحالفت سياسيا مع آل سعود لقيادة البلاد لتستقر الفتوى لاحقا أنه يحرم الخروج على الحاكم؟
الجواب على ذلك هو عند المرحوم الشيخ رمضان البوطي في كتابه ((السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي))، والذي أكد فيه وبرهن على أن خير القرون هي القرون الثلاثة الأولى التي ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام، أما بعد ذلك فليس لأحد أو لجماعة الحق في تزكية نفسها على أخرى ولكن ما لم يجار فيه عموم العلماء الشيخ هو دعوته للامذهبية في الإسلام بحجة التوحيد والتوحد للخروج من دائرة الخلاف والاختلاف الذي أضر بالأمة لدرجة الاقتتال وفي هذا الطرح قد يكون للبوطي عذره ولكن الغلظة في النقد هي تلك التي تعرض لها الشيخ البوطي من السلفيين حينما أجهض السلفية كمذهب إسلامي ولكن لم نكن لنتوقع أن يصل بهم الحال لحد التهليل والتكبير لاغتيال الشيخ البوطي وإعلان النفير للجهاد في سوريا وقد ذهب العديد من الذين فشلوا في إتقان ثقافة الصلح والإصلاح والتسامح التي مكنت الأمير عبد القادر من حماية أرواح حتى المسيحيين من المسلمين واحتواء الفتنة في بلاد الشام، قلت ذهب عكس هذا الاتجاه حتى بعض الجزائريين من الذين حذرت من خطرهم فاتهمت بالتهويل، إلى تأصيل الجهاد في سوريا ولم يعتبروا ذلك تدخلا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادية بحجة أن النظام فتح أبوابه للأجانب من الطائفة الشيعية الكافرة في معتقدهم متجاوزين استعانة مملكة البحرين بقوى سعودية لمواجهة المحتجين بحجة النزعة الطائفية في غياب تام لموقف الشيخ فركوس، ولكن هل كان الشيخ رمضان شيعيا؟ ألم يكن سلفيا قحا حينما تمسك بعدم الخروج على الحاكم وهو المبدأ الأساسي الذي تدعو له السلفية الوهابية؟ إنه مرة أخرى الانتصار للذات والإقصاء وللأسف الشديد نجد حتى عبد الله جاب الله يعود إلينا دون أن يفهم الدرس القاسي الذي تلقاه طوال مشواره السياسي ليقول في مقاله الأخير “فتوى العلماء بالجهاد حق لا مرية فيه” بأن الجهاد في سوريا واجب مقدس ومن أن الذي يتخلف عن ذلك هو ساكت عن الحق وجبان بعدما أقر أن بشار الأسد كافر والأخطر من ذلك دعا جاب الله إلى قتال من خرج على شريعة الإسلام حتى وإن تكلم بالشهادتين، غير مكترث للدماء التي تسفك بالحق وبالباطل في حين لم تكن له الشجاعة للمساهمة من جانبه ولو بجزء منها، متجاهلا أو جاهلا من أن الإجماع مفقود حول هذه القضية المتشابكة والملغمة التي لا يملك هو ولا أمثاله آليات وأدوات تقديرها، زد على أن هناك فرقا بين شريعة الإسلام التي أغلبها هي اجتهاد بشري وبين عقيدة الإسلام التي لا يطلع عليها سوى رب العالمين ولكن للجهل فنونا وجنونا تتطلب تدخل النائب العام للتحقيق مع دعاة العنف!