العرب بين فلاسفة الإغريق وقياصرة روما
لا يكاد الفكر الأوروبي المعاصر يعترف باليونان كجزء من الحضارة الأوروبية الحديثة، التي ترى نفسها وريثة الإمبراطورية الرومانية، بينما تنظر إلى أثينا وسائر الإغريق كجزء من الحضارة الشرقية، فهي حضارة تفاعلت بقوة مع الحضارة الشرقية خاصة العربية الإسلامية، والعرب الذين تقارضوا مع اليونان لغويا وتبادلوا معها الكثير من الشؤون الحضارية، بل إنهم هم الذين ترجموا تراثها وقدموه من جديد إلى أوروبا كما فعل ابن رشد وغيرُه.
ولا يعتبرون التواجد اليوناني في بلادهم سواء في المشرق أو في المغرب استعمارا على عكس نظرتهم إلى التواجد الروماني. ويعرف المثقفون الأوروبيون أنها لو نزعت صفحة الإسكندرية ومدرستها من الحضارة الإغريقية لما بقي الشيء الكثير. ومن الناحية الدينية يعرف المثقفون الأوروبيون أن اليونان جزءٌ من الكنيسة الشرقية التي يسميها البعض عربية وليست جزءا من فاتيكان روما، كما يعرفون أن الكنيسة القبطية في مصر وجدت ردا على كنيسة روما التي رأوا في تفسيراتها للدين المسيحي استعمارا رومانيا، وكانت النتيجة أن تحالفوا مع العرب المسلمين وطردوا المحتل الروماني.
وفي أيامنا هذه، يعرف السياسيون الأوروبيون أن اليونان تكاد تكون جزءا من البلقان ودوله الإسلامية وعلاقاتها مع تركيا التي يمكنها أن تلعب دورا ما في تخفيض، بل إنهاء التوتر بين تركيا واليونان.. وبالتالي، فإن أي دعم عربي إسلامي لليونان قد يعيدها دولة أوروبية قوية ليست ذات ماض استعماري.
ولا يعرف القراء الجزائريون مثلا أن البرلمان اليوناني طلب ذات يوم أن يكون الأمير عبد القادر الجزائري ملِكا على اليونان، لأن تاريخ الأمير لا يزال يكتبه مثقفو الاستعمار الفرنسي ودراويش السلطان العثماني.
وقاومت أوروبا ولا تزال تقاوم أي دعم عربي لليونان رغم مواقف أثينا المعقولة من القضايا العربية ومنها قضية فلسطين، خاصة موقف اليسار اليوناني من القضية الفلسطينية.
وهكذا وقعت اليونان مرارا وتكرارا تحت الضغوط الأوروبية دون أن يتحرك الصيارفة العرب، بينما دعمت دول النفط العربي في المغرب والمشرق الأحزاب المسيحية في إيطاليا وميتران وساركوزي في فرنسا وغيرها من الأحزاب الأوروبية المعادية جوهريا وثقافيا للحضارة العربية السلامية، ولم يتحرك الصراف السعودي نحو روسيا إلا في الأسابيع الأخيرة تحت الضغط الإيراني طمعا في أن تنقذ الكنيسة الشرقية الروسية المذهب السني في الخليج العربي..
كل ذلك لأن الصراف العربي لا يملك العقل المصرفي الذي يملكه اليهود المسيطرون على اقتصاد العالم، فدول النفط العربي لا تستعمل المال العربي لعقل اقتصادي، إنها كموظف الصندوق في أصغر بنك يقوم بتسليم الأموال بحسب أوامر الصرف، يسلمها وهو لا يملكها ولا يعرف إلى أين تذهب.
وها هي اليونان بعقلها الفلسفي الإغريقي وبتشجيع من أمريكا المنافس الحقيقي لأوروبا تضع أوروبا على حافة الانهيار.
استعمل العقل الإغريقي هذه المرة قاعدة فلسفية اقتصادية قديمة سلمية ومؤثرة جدا، وهي قاعدة المدين أقوى من الدائن، فهددت بعدم دفع ديونها، ليس من باب التمرد، بل من باب عدم القدرة، ولن يكلفها ذلك سوى زيادة 100مليار دولار على ديونها التي بلغت 400 مليار دولار، لكنه سيكلف أوروبا انسحابا مؤكدا لكثير من الدول وعلى رأسها دول البلقان من منطقة الأورو الذي سينخفض حتما انخفاضا يجر دولة كبرى كبريطانيا للانسحاب، وبالتالي، فإن قطار الاتحاد الأوروبي يبدأ بالتخفيف من سرعته وصولا إلى محطة النهاية، وهذا بالضبط ما تخطط له واشنطن وتريده موسكو.
وقد انكشفت للجميع لعبة قياصرة أوروبا، فهم لا يخشون على اليونان، لكنهم يخشون على اتحادهم، وبدأت فرنسا التي تعتبر نفسها وريثة روما تصرخ بأن اليونان جزءٌ من أوروبا جغرافيا وسياسيا وحضاريا.. وهو تصريح غير مسبوق في تاريخ الثقافة الفرنسية الخبيرة بتزييف تاريخ الشعوب.
وليس مستبعدا أن تأتي أوامر الصرف من واشنطن فيقوم الصراف العربي بمساعدة اليونان في وجه الأورو لصالح الدولار، فهذا الصراف الذي يوزع الأموال سرا وعلنا على داعش ونتنياهو والسيسي… يبدو مصيره مظلما حين يقع بين فلاسفة الإغريق وقياصرة روما ورقبته في حبل الكاوبوي الأمريكي فلا يدري في أي اتجاه يتحرك؛ فالتحالف الدولي يبتزه والتحالف العربي يستنزفه، وأفقه القومي انتهى حين تآمر على صدام حسين، وأفقه المذهبي ينتهي على يد الحوثيين.
فما معنى تمسك الصرّاف العربي بوظيفته التي تخنقه في صندوق يتحول إلى قبر؟