الهاربات من إيران والمُهرَّبات إلى جزيرة إبستين
من المفروض، أن تُفرز هذه الحروب المتتالية التي يقودها الاستكبار العالمي، وضعا أخلاقيا جديدا، إما أن تعيد البشرية إلى وعيها، أو تُقبر إلى غير رجعة المبادئ والأخلاق، فحتى لو فرضنا أن الحريات الأخلاقية مضمونة، بما يقدمه المجتمع الغربي من انحرافات جوهرية، من مثلية وإباحية إلى حرمان الشعوب من التفكير، فإن التدخل في شؤون بعض الأمم التي نأت بجانبها وأرادت العفاف، يبدو إرهابا حقيقيا.
أهلُ الغرب حوّلوا قضية بعض لاعبات الكرة الإيرانيات اللائي طلبن اللجوء في أستراليا، بعد مشاركتهن في بطولة آسيوية، إلى قضية عالمية، أخرجوا فيها ملف الحجاب و”التشادور” ومكوث المرأة في البيت، وراحوا يُشرِّحون بعض الأحداث التاريخية، ويجلدون الدين الإسلامي بكل مذاهبه، والأغرب أنهم راحوا يقارنون الدين الإسلامي باليهودية والمسيحية، في عزّ الحرب اليهودية المسيحية على الإسلام، ويمنحون الرفعة والتحضُّر لما يدين به المسيحيون واليهود.
يشعر الشرفاء بالحسرة والغضب، ولم تمرّ إلا بضعة أيام حتى لا نقول ساعات، عندما تفضَّل علينا الأمريكيون بسرد النجاسة التي وقعت في جزيرة إبستين، بين مسيحيي ويهود العصر الحديث، من متاجرة بالبنات الصغيرات وقتلِهن، بعد أن تُقتلع أعضاؤُهن في جريمة لم يرتكبها عرب الجاهلية الأولى، الذين كانوا يئدون البنات من دون اغتصاب ولا اجتثاث لأعضائهن، كما حدث لأكثر من عقدين في جزيرة إبستين وطبعا باعتراف الصحافة الأمريكية، وبالاعترافات التي صدرت ومازالت من ضحايا وشهود عيان الجزيرة الملعونة.
الغريب، أن رجالات الغرب ومنظماته الحقوقية والإنسانية، تطالب بمعاقبة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على ما اقترفته من “تحجيب إجباري” لبناتها، وحرمانهنّ من “الحرية”، ولم نسمع إلى حد الآن، من طالَب بمعاقبة من اختطف واغتصب بنات أمريكا وصغيراتهن البريئات وشوّه أجسامهن ورماهن طعما لأسماك القرش وهنَّ بالآلاف، كما اعترف الشهود، وكلهم- وكلهن- من الولايات المتحدة الأمريكية.. وطبعا ما خفي أخطر وأحقر.
لا جدال في أنّ في الحريات كلاما كثيرا في إيران، كما في غيرها من البلاد الإسلامية ومختلف بلاد العالم، ولا جدال في أن لاعبات الكرة الإيرانيات طلبن اللجوء السياسي بإرادتهن، لكنهن بالتأكيد من أجل حياة اجتماعية أحسن، لأن بلدهن يعيش في وحل الحصار منذ قرابة نصف قرن، ولو تهيأت الهجرة لغيرهن ما ترددن.
لكن، ما صار يثير الغيظ والضجر، ليس ما يحدث من زور ومن طعن للقيم الإنسانية ورمي الأخلاق وسط قطيع من الكلاب المسعورة تنهشها، وإنما الصمت المطبق من رجال الدين من يهود ومسيحيين هم في الأول والأخير من أهل الكتاب.
ترامب في حربه على إيران كما على فنزويلا وسابقيه على العراق، إنما يريد المال والثروات، ونتانياهو في حربه على غزة ولبنان يريد الأرض.. فما بالهم لا يطيقون دفاع الشعوب عن العِرض؟