-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الوجه الآخر لانتهاكات حقوق الإنسان في فرنسا

الوجه الآخر لانتهاكات حقوق الإنسان في فرنسا

إذا وجدتم باريس، بساستها العنصريين وأبواقها الإعلامية المجندة، تُشهر ورقة الديمقراطية وحقوق الإنسان في وجه أي بلد إفريقي، فتيقّنوا أنها خسرت مصالحها المادية والثقافية هناك، أو هي مهدَّدة بقطع الحبل السُّرِّي الموروث من عهد الاستعمار، في حين يحلم “الكولونياليّون” الجُدد باستمرار حالة التبعية إلى ما لا نهاية.
هذا ما يفسّر بوضوح صرخة باريس وردّ فعلها المتشنج تجاه توقيف السلطات الجزائرية، بكل سيادة، لمواطنها المسمّى بوعلام صنصال، في إطار الامتثال للقانون العامّ، إذ لم تتورَّع فرنسا الرسميّة، وعبر أذرعها السياسية والإعلامية، عن كيل الاتهامات الباطلة، في محاولة للابتزاز وتحرير عميلها من قبضة العدالة.
يتناسى سُذّج الفرنسيين أنّ بلادهم هي آخر من يمكنه أخلاقيًّا تقديم دروس للآخرين في معايير حقوق الإنسان والتزام الديمقراطية، خاصة عندما يتعلق الموقف بالدول الإفريقية، ليس فقط بسبب عارهم وجرائمهم التاريخية والآنية في القارّة، بل لأنّ تقارير منظماتهم الغربية نفسها تضع فرنسا على لائحة منتهكي الحريات الفردية والجماعيّة.
آخر تحريات “منظمة العفو الدولية” توثّق استفحال العنصرية والتمييز الديني الممنهجيْن، والتنميط العرقي مع الإفلات من العقاب، إضافة إلى تنامي القيود الشديدة على الاحتجاجات، والاستخدام المفرط للقوة من جانب الشرطة.
كما تشير وثيقة “العفو الدولية” إلى تعرّض المساجد والكنائس والمقابر طوال السنة لهجمات وتخريب برموز عنصرية ورسائل تروِّج للجماعات السياسية المتطرفة.
وفي السياق ذاته، أعربت اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة عن قلقها إزاء “القوالب النمطية التمييزية المستمرة ومعدلات البطالة المرتفعة في صفوف النساء المهاجرات اللواتي لا يحملن وثائق قانونية، والنساء المنتميات إلى الأقليات العرقية أو الدينية، والنساء ذوات الإعاقة، وكبيرات السن”.
كما تجاهل مجلس الدولة توصية المقرِّر العامّ، وقضى بأنه “يمكن لاتحاد كرة القدم الفرنسي الحفاظ على سياسة تمييزية تمنع فعليا اللاعبات من النساء والفتيات المسلمات اللواتي يرتدين غطاء الرأس الديني من المشاركة في المباريات”.
وقد انتقدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان هذا القرار قائلة إنه “لا يجوز لأحد أن يفرض على امرأة ما تحتاج إلى ارتدائه أو عدم ارتدائه”، محذرة من العواقب الضارة لهذه الممارسات التمييزية.
وسبق لوزير التعليم إصدار أمر لمديري المدارس بحظر ارتداء العباءة والقميص في كافة المدارس الرسمية، متسبِّبا بذلك في انتهاك حقوق الفتيات المسلمات في التعليم وعدم التمييز.
وبشأن قمع الحريات الجماعية داخل فرنسا، توثق “العفو الدوليّة” لجوء السلطات على نحو متكرِّر إلى فرض قيود مفرطة، وغير متناسبة، وغير مشروعة على الاحتجاجات، مع تعرّض المحتجين للاعتقالات التعسفية والغرامات.
بل إن وزير الداخلية أصدر مذكرة لفرض الحظر الاستباقي على كافة احتجاجات التّضامن مع فلسطين.
ينبغي التذكير بأنّ مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قد حثت، قبل فترة قليلة، الحكومة الفرنسية على “التعامل بجدية مع القضايا العميقة للعنصرية والتمييز في إنفاذ القانون”، لأجل التصدي للأسباب البنيوية والممنهجة للتمييز العرقي، بينما تتنكّر السلطات للإقرار بالعنصرية المؤسسية والممنهجة.
مفوِّضة حقوق الإنسان في مجلس أوروبا أعربت هي الأخرى عن قلقها إزاء استخدام القوة المفرطة والاعتقال والاحتجاز التعسفيين للمحتجِّين والمارَّة.
وشجَّب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالمدافعين عن البيئة، الرد غير المتناسب لهيئات إنفاذ القانون على احتجاج بيئي في سانت سولين.
وقبل ذلك، أكّد خبراء الأمم المتحدة قلقهم إزاء الاستخدام المفرط للقوة ضد المحتجين والصِّحافيين، والمارة في الاحتجاجات المتعلقة بإصلاح نظام التقاعد وبالمناخ، ومن ضمنها استخدام قنابل الصعق اليدوية والغاز المسيل للدموع، وإطلاق الرصاص المطاطي من مرْكبات متحركة.
كما أعربت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا عن ذعرها على خلفيّة الإصابات التي تعرّض لها المحتجون، مشددة على إصلاح آلية مساءلة هيئات إنفاذ القانون، ما دفع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى فتح تحقيق في الملف.
وبخصوص المحاكمات الجائرة والمعاملة القاسية وغير الإنسانية والمهينة، أعربت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة أكثر من مرة عن قلقها إزاء رفض فرنسا وتأخيرها لإعادة مواطنات وأطفال فرنسيين محتجَزين في أوضاع شبيهة بالسجون في مخيمات بشمال شرقي سوريا إلى الوطن.
أما حقوق اللاجئين والمهاجرين، فتبقى من بين الملفات السوداء في فرنسا، إذ اعتمد البرلمان قانونا لضبط الهجرة قائما على التمييز وكراهية الأجانب، حيث وسع الصلاحيات الإدارية لاحتجاز وطرد الرعايا الأجانب الذين “يعدون خطرا على النظام العامّ أو تقاعسوا عن احترام القيم الجمهورية”، بصرف النظر عن وضع إقامتهم ومن دون معايير دقيقة، وفق تقييم “منظمة العفو الدوليّة”.
ويشير التقرير بهذا الصدد إلى أن باريس أصدرت طيلة السنة أوامر طرد إلى دول يمكن أن يرقى فيها الترحيل إلى مستوى الإعادة القسرية، من بينها سوريا وإيران والسودان وأفغانستان وهاييتي، واحتجزت مواطنين من هذه الدول.
كما قوّض القانون نفسه الحقوق في الحياة الأسرية، والسكن، والصحة، وأعاد تجريم الإقامة “غير النظامية”، ناصبًا العقبات أمام تجديد الإقامة، وجعل حقَّي تنظيم الوضع وتقديم استئناف وضع المهاجرين محفوفيْن بدرجة أكبر من المخاطر، في حين قلّل تراجع الخبرة القضائية في محاكم اللجوء من حصول طالبيه على العدالة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • لزهر

    يفقد الفرنسيون حقوقهم في الطعام والشراب والمسكن والدواء.