-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اليمن: لابد من صنعا وإن طال السفر

سهيل الخالدي
  • 4400
  • 2
اليمن: لابد من صنعا وإن طال السفر

هذا مثل عربي قديم كانت تضربه العرب للتصميم على بلوغ الهدف حتى ولو كان الطريق إليه صعبا وطويلا ، وصنعا هي عاصمة اليمن، وقد قال فيها الشاعر البردوني في مؤتمر عقد في تونس:

ماذا أحدث عن صنعاء يا ابتي

 مليحة عاشقاها السل والجرب

فلخص البردوني الكفيف في هذه القصيدة، وربما في هذا البيت حالة العرب جميعا.

وأما أسباب الحالة فقد لخصها في نفس ذلك المؤتمر، الشاعر العربي السوري

 حين قال: 

أمشي على ورق الخريطة خائفا

فعلى الخريطة كلنا أعراب

وخريطة الوطن الكبير فضيحة

فحواجز، ومخافر، وكلاب

ولست أدري كيف أفسر جرأة شاعرينا المرحومين البردوني وقباني، في  قراءة هاته القصائد في تونس بالذات، مع أنها لا تختلف عن صنعاء أو أية عاصمة عربية في الفقر وانعدام التنمية، ولا يختلف نظامها عن أي نظام عربي في القمع والقتل والنهب.. فربما لتاريخ الوجدان العربي مساره الذي لا أفهمه، وفي كل الأحوال فإنه ليس هناك عربي واحد من هذا الوطن-الفضيحة لا يقول بأن له أصولا يمنية.. فهؤلاء هم العرب جاءوا إلى الجزيرة العربية،  وأسسوا على شواطئها اليمن القديم، وكوّنوا على أرضه  حضارات وحضارات تحدثت عنها بطون الكتب بما فيها الكتب السماوية من قرآن وتوراة وإنجيل.

وفي نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، التقى الضابطان الكبيران في الجيش العثماني عزيز المصري، وسليم السمعوني الجزائري، ورأيا التناقض بين حضارة الأجداد العظيمة وواقع الأحفاد المؤلم، فكانت فكرة تكوين الجمعية القحطانية التي وضعت أسس تحرير الأمّة العربية من الاستعباد الطوراني التركي.

وفي عام 1947/1948 انتقل الشيخ فضيل الورثيلاني، وليد بني ورثيلان في منطقة بجاية،  من مقره في القاهرة ليهندس الثورة اليمنية ضد أسرة حميد الدين، التي كانت تزرع التخلف والقهر في اليمن باسم الدين والإمامة، فعاشت هذه الثورة بضعة أشهر لتنقض عليها بعد ذلك المملكة العربية السعودية وبريطانيا، وتقتل وتدمر وتعيد أسرة حميد الدين، لكن ضابطا من تلاميذ الشيخ الورثيلاني، شارك في تلك الثورة.. ظل ساكنا إلى أن استقلت الجزائر في جويلية 1962، فقام في 26 سبتمبر وفي رأسه أفكار الورثيلاني من أن تحرير الجزائر، يفتح باب الحرية للشعوب العربية، فأعلن عبد الله السلال، بدعم كبير من زعيم  الأمة العربية آنذاك الرئيس المصري جمال عبد الناصر. ليفتح ثغرة في جدار التخلف  السميك الذي يحيط بالجزيرة العربية وخليجها.

وكما حدث في أواخر الأربعينيات، انقضت كل من السعودية والآردن وبريطانيا والولايات المتحدة على تلك الجمهورية – الثغرة، لكن الثورة هذه المرة كانت مدعومة بالنظام الناصري، الجاد في عروبته والمجربة مواقفه المبدئية في مساندة حركات التحرر العربي في الجزائر والعراق وغيرهما، ولم تنجح هذه القوى في القضاء على الثورة اليمنية التي فتحت تلك الثغرة الهائلة في ذلك الجدار السميك. وحين أعلن جمال عبد الناصر، أنه سيسحب جيشه  من اليمن بحدود عام 1968، اعتقدت إسرائيل أن ناصر سوف يتفرغ لها على جبهته الشرقية، فداهمته في حزيران يونيو1967، لكن ثورة اليمن التي قادها السلال، لم تذهب أدراج الرياح.. حيث أعلنت وقوفها القوي إلى جانب ثورة جنوب اليمن، الذي قادت نضاله الجبهة القومية المؤيدة أيضا من طرف مصر والجزائر، فانسحبت بريطانيا من عدن عام 1967. وهبّت رياح القرن العشرين على الجدار واخترقته، فكان أن أعلن استقلال قطر والبحرين وعمان وتأسيس دولة الأمارات العربية المتحدة  في سبعينيات القرن العشرين، و تحسنت الحياة اليومية الاستهلاكية سريعا في دول الجزيرة العربية، تحسنا ألهى الناس عن واقعهم الوطني سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ولم تتغير القوى المتحكمة في الجدار داخله وخارجه، وظلت تحاصر هذه الجمهورية – الثغرة وتدعم العشائر لصنع الانقلابات والفوضى، إلى أن جاء علي عبد الله صالح، فأسس نظاما بعقل عشائري ومقاس عائلي أسري، فحظي بدعم غير متناهٍ من هذه القوى بالضبط، كما كان حالها مع أسرة حميد الدين، ومع ذلك لم تقبله عضوا في مجلس تعاونها. وحين انطلق الحراك الاجتماعي على يد البوعزيزي، وصلت أصداؤه اليمن. ولا تزال جماهيره لم تغادر الساحات، مستفيدة من درس تونس ومصر التي ما إن غادرت جماهيرها الساحات حتى اقتيدت السفينة إلى غير موانيها.. فقد تغير رأس النظام وبقي النظام، بل أن رأس النظام في اليمن بقي محصنا بضمانات وإجراءات ومازال يمني النفس، رغم الحروق الجسدية والنفسية التي أصيب بها. بالعودة  إلى عرش اغتصبه أكثر من ثلاثين سنة، فلماذا طالت معركة اليمنيين مع النظام؟

بالتأكيد أن السبب الأول يعود إلى القوى الإقليمية والدولية التي لم تجد شخصية يمنية  تخدمها أفضل من علي عبد الله صالح، فليس صحيحا أنها تخشى وصول الحوثيين الشيعة إلى السلطة، فهذه القوى في داخل الجدار كانت تدعم أسرة حميد الدين، وخاضت من أجلها حروبا  رغم أنها أسرة زيدية أي شيعية وليست أسرة شافعية أي سنية، فالمسألة الدينية آخر ما يمكن أن تفكر فيه هذه الدول.

ودون ريب فأن هناك تخوفا إقليميا ودوليا من أي نظام قوي يمكن أن يظهر في اليمن، فالموازنة بين المصالح والمخاطر في اليمن بالنسبة للدول الكبرى دقيقة ومعقدة، فمن الذي سيحمي باب المندب، الذي يسيطر على قناة السويس، أي على التجارة الدولية بين المحيط -آسيا والمتوسط – أوروبا- ، ومن الذي يشدد الرقابة على الصومال – المنفلت ، ومن الذي سيضبط الأمور في بحر العرب وخليج عمان وكلها مصالح دولية، فهل إذا ما تركت الأمور في اليمن لتنفلت كما هو الحال في الصومال، لن يكون في ذلك خطر على هذه المصالح؟؟ فقد انفلت الوضع في الصومال فتأثرت مصالح الغرب، وها هي تسعى لإعادة الدولة التي أسسها زياد بري، وقام الغرب بتدميرها.

صحيح جدا أن اليمن  حتى هذه اللحظة متروك لحاله كباقي الدول العربية، التي ركبت الدول الكبرى حراكها الاجتماعي، وحرفته عن أهدافه ضمن خططها في شرقنة الوطن العربي، وإعادته إلى ما قبل عام2500 ق م، وهو ما يتفق بنسبة كبيرة مع مصالح إسرائيل، لكنه على أرض الواقع بدا يحمل مخاطر على المصالح الأوروبية والأمريكية. كما يتجلى في سورية والعراق وليبيا وحتى تونس، فالجيو بولتيك، يكاد يلعب لصالح اليمنيين أكثر من أي وقت مضى.

وتبدو الحكاية كلها  في تمسك اليمنيين بساحات مدنهم. فمغادرتها تعني أن يصيبهم

ما أصاب الذين قبلهم .. والبقاء فيها يعني أن تطول معاناتهم وتتضاعف.

وهنا نجد هذا التضارب في تفسير أسباب سقوط طائرة عسكرية قرب ساحة التغيير التي يتجمع فيها المتظاهرون، وهو تضارب -أو قل- هو غموض لا تجاريه إلا التفسيرات التي نسمعها حول إصرار النظام السوري، على تفريغ المدن والبلدات من سكانها وتضييق منافذ الهجرة إلى الدول المجاورة، فالسوري اليوم لا يستطيع البقاء في قريته أو مدينته، ولا يستطيع الهجرة إلى دولة أخرى، واليمنيون أمامهم الجدار وخلفهم البحار. ومع ذلك نجد هذه الشعوب العربية على سخافة المعارضة التي تدعي قيادت- سواء التي صارت في الحكم أو لم تصله بعد- مصممة على أهدافها،  وتريد أن تصحح حراكها الذي اغتالته الدول الكبرى،   وتبذل في ذلك الكثير من التضحيات الجديدة، ويبدو أنها عرفت لعبة “الجيوبولتيك” لذلك  لسان حالها يقول: لابد من صنعا وإن طال السفر. فهل يوصلنا اليمنيون إلى الربيع المرتجى؟  وهل تقوم السيدة توكل صاحبة نوبل بدور بلقيس؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • سالم شاكر

    لقد اندهشت عندما قراة كتابتك . بالفعل لو يعرف الشعب حقيقة التاريخ لبكو جميعا لان عظمة الرجال قليلة جدا وهندسة الثورة ليس بالشئ الهين بارك الله فيك لانني فهمة انك تعرف التاريخ

  • بدون اسم

    اتمنى ان تقيد لنا هذا الفكر بكتاب في علم السياسة
    الاستكبار العالمي يحاور الترويض وكانه في حلبة بوكلائهم المؤجرين
    ونسوا ان للكعبة رب يحمينها ولا يحيق المكر السيء ال باهله
    وان الله غالب على امره -الله غالب على الرجالة-