-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بطوننا التي أذلّتنا وأنهكتنا!

سلطان بركاني
  • 96
  • 0
بطوننا التي أذلّتنا وأنهكتنا!

في هذا الزّمان العصيب الذي يهوّد فيه أقصانا، وتستباح فيه مقدّساتنا، وتحاصر عناصر هويتنا، كان المفترض في حقّنا أن نتخلّص من الأغلال التي تخلد بنا إلى الأرض وتضعف هممنا وتفتّ في عزائمنا، لنجيب نداء “الحقّ” ونقول كلمة الحقّ ونقف على الثّغور التي يتوجّب علينا الوقوف عليها، كلّ بحسب مستواه وإمكاناته… لكنّنا حين أردنا أن نجيب نداء الفطرة في دواخلنا، فوجئنا بأحمال تثقل كواهلنا وأطواق تلفّ رقابنا وألجمة تخرس ألسنتنا! والمحزن في الأمر أنّ جلّها له علاقة وطيدة بأجهزتنا الهضمية التي أصبحت تملك الصّوت الأعلى في تحديد مواقفنا وأدوارنا! أصبحت شهوات بطوننا في هذا الزّمان من أنكى أسباب ذلّنا وهواننا وتبعيتنا للآخر. ما عدنا نستطيع أن نصمد طويلا في نصرة مقدّساتنا ونرفع أصواتنا عاليا دفاعا عن هويتنا، لأنّ بطوننا ليس لها أي استعداد لتتنازل عن شهواتها التي ألفتها وأدمنتها عقودا من الزّمان!

إذا لم يكن طعامك من فأسك… فلا تنتظر حريةً من رأسك

تشير بعض التقارير المتعلّقة باستيراد الغذاء إلى أنّ بين الدول العشر الأكثر استيرادا للقمح في العالم، 6 دول إسلامية! وأنّ الدول العربية كلّها تستورد ما يقرب من 50 مليون طن من القمح سنويا، على الرغم من أنّ مساحة الأراضي العربية الصالحة للزراعة تتجاوز 220 مليون هكتار، وما يستغل منها فعليا لا يصل الثلث! وتشير بعض الأرقام إلى أنّ الدول العربية تستورد ما قيمته 110 مليار دولار من الغذاء سنويا، أي أنّ 80 % مما تأكله الشعوب يستورد من الخارج! فكيف نريد -مع هذه الحال- أن يكون قرارنا بأيدينا؟ كيف نرجو أن نحمي ديننا ومقدساتنا وهويتنا ولغتنا وأمننا القوميّ؟ يقول المفكر الجزائريّ الرّاحل مالك بن نبي -رحمه الله-: “ما دام قَمحُنا من عند عدوِنا، فإنّ قرارنا ليس بأيدينا”، ويقول المفكّر المصريّ الرّاحل مصطفى محمود -رحمه الله-: “إذا لم يكن طعامك من فأسك، فلا تنتظر حريةً من رأسك”.

هكذا أصبح الطّعام همّا كبيرا في حياتنا!

الحال آنفة الذّكر محزنة، ومآلها غير محمود. لكن لماذا وكيف وصلت الشعوب العربية، وكثير من الشّعوب الإسلاميّة إليها؟ لا شكّ أنّ السياساتِ غيرَ الرشيدة هي السّبب الأوّل. لكنّ هناك سببا آخر يتعلّق بنا نحن الشعوب العربية، يتعلّق بسلوكنا وعاداتنا في الأكل والتعامل مع الطّعام. ابتعدنا عن ديننا وحتى عن عاداتنا القديمة، وارتقى الطّعام حتى غدا عصبا لحياتنا، وأصبح الأكل من بين أكبر الهموم التي نحملها في حياتنا، وأضحى لدينا نهم شديد بالطّعام، واهتمام غير عاديّ بأنواعه وألوانه وأوقاته، ليس بين الأطفال فقط، بل بين الرّجال وحتّى بين النّساء.
كثير منّا لا يأكلون عند الشعور بالجوع أو عند وقت الطّعام فقط، بل يأكلون في كلّ وقت، ويُدخلون الطّعام على الطعام، ويأكلون بين الوجبات؛ يأكلون من دون حساب بالنّهار، ويسهرون بالليل على الطّعام، وثلاجة البيت لا يكاد يتوقّف بابها عن الدّوران، ونار الموقد لا تكاد تنطفئ إلا قليلا… أصبح الهمّ الأكبر الذي يزعج الأمّهات في البيوت اختيار وجبة الغداء ووجبة العشاء! وأضحت أكثر الصفحات التي تتابعها كثير من النساء في البيوت هي الصفحات المتخصصة في الطّبخ!
نحمل همّ الوجبات أكثر ممّا نحمل همّ الواجبات والصلوات، وأكثر شيء نهتمّ به في أسفارنا هو المحطّة التي نأخذ منها قهوتنا والمكان الذي نتغدّى فيه والموقف الذي نتناول فيه عشاءنا. وقليل منّا يهتمّون بوقت ومكان الصّلاة… وأهمّ شيء في أفراحنا وأعراسنا هو الأكل؛ ماذا نختار للمقبّلات؟ ما هو الطبق الأوّل وما هو الثاني وما هو الثّالث؟ ماذا عن السلطة والفاكهة؟ بل حتى في جنائزنا أصبحنا نتحدّث عن الأكل: ماذا نضع للمعزّين مع القهوة؟ وأيّ طبّاخ نختار ليعدّ لهم وجبة الغداء ووجبة العشاء؟! حتى أمسى بيننا من يلوم أهل الميّت أنّهم لم يهتمّوا بضيوفهم!
محلات المواد الغذائيّة ممتلئة عن آخرها، والمطاعم العادية ومطاعم الوجبات السريعة منتشرة في كلّ مدينة وكلّ قرية وفي كلّ شارع، وتكتظّ بالآكلين بدءًا من العاشرة صباحا إلى وقت متأخّر من الليل، والغريب أنّ النّساء بدورهنّ أصبحن يتزاحمن على محلات الأكل السريع، بل إنّ النساء في المدن الكبيرة هنّ أكثر زبائن هذه المحلات، حيث تكتظّ بهنّ بدءًا من العاشرة صباحا!
بيوت الخلاء والمراحيض العامّة مزدحمة في كلّ مكان! ومراحيض المساجد تعاني أزمات حادّة في النّظافة! أمّا القمامة التي تخرج من البيوت كلّ يوم فهي بالأكياس التي تثقل الكواهل، وشاحنات القمامة لا تتوقّف عن الطواف بالشّوارع، ومن يزور مكبّ النفايات في كلّ مدينة سيصاب حتما بالذّهول أمام جبال المخلّفات!
حتى شهر رمضان الذي يفترض أن ترتاح فيه بطوننا ومطابخنا، أصبحنا نضاعف فيه مشترياتنا من الأكل، ولا نزيد على أن نؤخّر وجبة الغداء إلى العشاء، ويتحوّل الوقت بين الفطور والسّحور إلى ساحة مفتوحة للمضغ والبلع.
أصبحت عبارة “ما زلت لم أتناول وجبة العشاء” حدثا مهما في حياتنا، بينما عبارة “ما زلت لم أصلّ” أصبحت خبرا عاديا يمرّ على أسماعنا كأنّ شيئا لم يكن… الواحد منّا يمكن أن يخلف موعده مع خالقه، ويخلف موعده مع أحبّ النّاس إليه، لكنّه لا يخلف موعده مع الطّعام أبدا!

نهَم بالطّعام… أورث العلل والأسقام وضعف الأفهام!

لو كان كلّ ما نأكله، هو من الطّعام الصحيّ الذي يُصلح لنا أبداننا ويقوّيها، لما كان ينبغي لنا أن نهتمّ به إلى هذا الحدّ، لأنّنا خلقنا لغاية أعظم وأسمى من أن يكون الطّعام محور حياتنا، فنحن المسلمين يفترض أن نكون أعزّ وأرفع من أن نكون عبيدا لبطوننا وشهواتها، فالله –تعالى- يقول: ((إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ))؛ المسلم همّه أن يرضي مولاه ليُدخله جنّته ويريه وجهه الكريم. ومن يعيشون لأجل أن يتمتّعوا ويأكلوا، هم الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة، فهم يشابهون في سعيهم الأنعام التي تعيش على الأكل وليس لها همّ إلا ما يصل إلى أفواهها. المسلم يأكل ليعيش، ولا يعيش ليأكل… لو كان كلّ ما نأكله هو من الطّعام الصحي الذي يصلح أبداننا ويقوّيها ما كان يصلح لنا أن نجعل الطّعام أهمّ شيء في حياتنا، كيف وأكثر ما نأكله هو من الطّعام الذي يُمرض أبداننا ويورثها العلل والأسقام ويوهنها ويقعدها عن واجباتها؟!
أكثر الأمراض التي تجعلنا نتردّد على المستشفيات وعلى عيادات الأطبّاء، هي أمراض الجهاز الهضميّ التي يسبّبها الأكل، وحتّى الأمراض الأخرى كثير منها سببه الجهاز الهضميّ، مثل أمراض الضغط والسكريّ والكلى، وحتى بعض الأمراض العصبية والنفسية وبعض أمراض العظام سببها الطّعام الذي يتعب الجهاز الهضميّ؛ فالقولون هو المركز الثاني للأعصاب بعد المخّ، وإذا مرض فإنّه يُمرض معه الجسم كلّه! ولهذا ورد عن بعض أهل العلم قوله: “الشبع داعية إلى البَشَمِ (التخمة)، والبشم داعية إلى السقم، والسقم داعية إلى الموت، ولو سُئل أهل القبور: ما كان شأن موتكم؟ لقال أكثرهم: الشبع”، وقد قال الأطبّاء والحكماء إنّ الجسم يتأذّى من الشّبع أكثر ممّا يتأذّى من الجوع.
بسبب فرط اهتمامنا بالطّعام وأنّنا نأكل بغير انتظام، ونأكل الطّعام المعدّل جينيا والمسمّم بالأدوية، أصابتنا الأمراض والأسقام، وأصبحنا ننفق جزءًا مهمّا من رواتبنا وأموالنا على الأطبّاء والأدوية، وامتلأت رفوف الثلاجات في بيوتنا بالأدوية بأسباب أهمّها بطوننا التي أصبحت تتحكّم فينا بدل أن نتحكّم فيها… وإنّها لخسارة عظيمة أن ننسى ديننا وآخرتنا لأجل المال الذي نلهث خلفه، ثمّ ننفق ذلك المال الذي تعبنا لأجله وضيّعنا الصلوات، على أطعمة ومآكل تورثنا الأمراض وتجعلنا ننفق المزيد من الأموال على الأطبّاء والأدوية… كثير منّا الآن ينفقون ثلثي ما يكسبون من المال على الأكل وعلى الأطبّاء والأدوية، والثلث الباقي ينفقونه على المظاهر، فلا يبقى لهم بعد ذلك شيء ينفقونه على الدّين والآخرة!
أجهزتنا الهضمية أصبحت تشتغل وتعمل أكثر من عقولنا وأدمغتنا، وأضراسُنا تعمل أكثر من أيدينا وأرجلنا، فمن الطبيعيّ أن نصاب بكلّ أمراض العصر… الجهاز الهضمي من حقّه أن يرتاح 12 ساعة على الأقلّ كلّ 24 ساعة، يهضم فيها ما أُدخل إليه من طعام، ثمّ يرتاح قليلا، لكننا لا نصبر على إراحته 8 ساعات متواصلة! بين كلّ وجبتين يفترض أن يرتاح الجهاز الهضميّ 4 ساعات على الأقلّ، لكنّنا لا نصبر، والواحد منّا عندما يجد نفسه فارغا من دون عمل يتّجه إلى الثلاجة ليخرج طعاما يشغل به نفسه، أو إلى الرفّ ليأكل المكسّرات والمشغلات، وحتى أبناؤنا أوجد لهم التجار هذه “البذور المحمّصة” وهذا “التشغيل” حتّى لا تتوقّف أفواههم عن المضغ! وكثرةُ الأكل خاصّة غيرُ الصحيّ منه، من أهمّ الأسباب التي جعلت أبناءنا يقلّ ذكاؤهم ويضعُف اهتمامهم بحفظ القرآن والدّراسة ويكسلون عن الواجبات والصّلوات، يقول الإمام أبو حامد الغزالي –رحمه الله-: “الشبع يورث البلادة، والصبي إذا أكثر الأكل، بطل حفظه، وفسد ذهنه، وصار بطيء الفهم والإدراك”… وقد أحسن العرب قديما حينما قالوا: “تَجني على النَّهِمِ أضراسُه”، وأحسنَ الحكماء حينما قالوا: “راحة الجسم في قلة الطّعام، وراحة اللسان في قلة الكلام، وراحة القلب في قلّة الآثام”، وأجاد الإمام الشافعيّ –رحمه الله- حينما قال: “ثلاث هن مهلكة الأنـام، وداعية الصحيح إلى السقام: دوام مُدامة ودوام وطء، وإدخال الطعام على الطعـام”، وأفاد الإمام الخطابي البستي –رحمه الله- حينما قال: “من يتناولُ الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذُ منه فوق قدر حاجته، فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة، وأسقام متلفة، وليس مَن عَلم كمن جهل، ولا من جرّب وامتحن كمن ماد وخاطر”.

…. وأمرض الرّوح كذلك!
لو كان الطّعام الزّائد على الحاجة يورث أمراض البدن فقط، لكان حريا بالعاقل أن يعيد التفكير والتدبير، ويتّخذ قراره بألا يهلك صحته بأضراسه؛ كيف والطّعام الزّائد على الحاجة يؤثّر على العقل والقلب والرّوح والبدن، فيثقل العقل عن التفكير والتدبير ويحول بين القلب وبين التدبّر والخشوع ويُقعد البدن عن الواجبات، ونحن لو بحثنا في أسباب تبلّد عقولنا وقسوة قلوبنا وثقل أبداننا عن الصلاة خاصّة صلاة الفجر، فإنّنا سنجد أسبابا كثيرة، من بينها الإكثار والتنويع من المآكل والمشارب. يقول العبد الصّالح لقمان الحكيم لابنه: “يا بني، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة”، ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب –رضـي الله عنه-: “إياكم والبطنة، فإنها ثِقل في الحياة، ونتن في الممات”، ويقول أيضا: “إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم”، ويقول الإمام الشافعي –رحمه الله-: “الشبع يثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة”، ويقول الإمام سفيان الثوري –رحمه الله-: “إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب”.
لذلك، فإنّ البطنة والشره في الطّعام، من أعظم أسباب خسارة الآخرة، وقد جاء في الحديث عن أبي جحيفة –رضـي الله عنه- قال: أكلت ثريدة بلحم سمين، فأتيت رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- وأنا أتجشأ، فقال: “اكفف عليك جشاءك أبا جحيفة، فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة”. والحديث فيه ضعف، ومعناه ألا يكون الشبع عادة يومية للعبد.

حتّى لا نكون من هؤلاء!
هذه الحال التي نحن عليها، يفترض أن نراجعها ونَرجع عنها ونصلح أحوالنا مع بطوننا حتّى لا تكون قبلة لنا وهمّا كبيرا نحمله… في كنز العمال عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضـي الله عنه- أنّه قال: “يأتي على الناس زمان؛ همهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم، ودينهم دراهمهم ودنانيرهم، أولئك شر الخلق لا خلاق لهم عند الله تعالى”… فهل نرضى بأن نكون كذلك؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!