بكالوريا التعنتير!
ربما من محاسن الصدف، أو من مساوئها، أن يتقاطع انطلاق امتحانات البكالوريا، مع بداية عرض ومناقشة خطة عمل الحكومة بالبرلمان، موازاة مع مباشرة مشاورات تعديل الدستور بين مختلف أطياف الطبقة السياسية وغير السياسية، وكلّ هذه الأحداث جاءت في العيد العالمي للطفولة!
قد يكون الإسقاط غريبا، ودافعا إلى التعجّب، لكن الحال، أن كل المذكورين، يجتازون امتحانا عسيرا، فإما أن يُكرموا أو يُهانوا، فالكثير من النواب والوزراء وقيادات الأحزاب وحركة المجتمع المدني، مطالبون بإعادة البكالوريا، ليس للحصول على الشهادة كوثيقة من ورق، وإنـّما من أجل إخضاع كلّ هؤلاء لميزان إثبات المستوى!
الكثير من النواب -وليس كلهم- منذ أن انتخبهم الزوالية أو الحظ، في آخر تشريعيات، قبل سنتين، لم يعودوا إلى مداشرهم التي أوفدتهم إلى العاصمة لتمثيلهم وليس للتمثيل عليهم، وبعضهم سامحهم الله، غيّروا أرقام هواتفهم، تفاديا لتكسار الراس، ولذلك فإن هذا النوع من “ممثلي الشعب” مطلوبون لبكالوريا تمتحن قدرتهم على الوفاء والثقة!
كذلك، العديد من الوزراء باعوا زملاءهم وأصدقاءهم في رمشة عين، ومنهم من تخلـّى عن أقرب المقرّبين، فالاستوزار “يدوّخ”، فمنهم من قضى على مبادئه ومنهم من ينتظر وبدّلوا تبديلا، ولهذا فإن هذه الملّة من “أصحاب المعالي” في حاجة إلى بكالوريا تمتحن ولاءهم وطاعتهم مستقبلا!
أيضا، الكثير من قيادات الأحزاب وممثلي التنظيمات والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية، المدعوة إلى مشاورات تعديل الدستور، تشارك دون أن تمتلك أرضية للاقتراح والمبادرة، ومنهم من لا يعرف لماذا سيذهب إلى التحاور والتشاور، ولذلك، فإن هذه الطينة من السياسيين بحاجة إلى بكالوريا تمتحن جدارتها في قوّة المبادرة واقتراح الحلول والبدائل!
كم هو جميل، لو خضع كلّ هؤلاء، إلى بكالوريا مهنية وأخرى سياسية وثالثة تجريبية، حيث ستـُملأ كشوف النقاط بالعدل والقسطاس، ويكتشف المصححون أمر الراسبين والمعيدين عن طريق الهاتف والوساطة، ويتبهدل “الغشّاشون” ممّن يُريدون نيل البكالوريا بـ”الكوبياج” والبريكولاج!
من الضروري، أن يتمّ تحديد “عتبة” الترشح لعضوية البرلمان، وعتبة الترشح لعضوية الحكومة، وعتبة الترشح لعضوية أيّ مشاورات حاسمة ومصيرية، حتى يُقطع دابر الغشّ في الحصول على بكالوريا تعبّد الطريق لفاشلين ومنبوذين نحو “جامعة” لها حرمتها ووقارها وشروطها، سواء بالنسبة للنواب أم الوزراء أم الشخصيات الوطنية!
مصيبتنا، أن “المظلومة التغبوية” حوّلت “الباك” إلى “غير هاك”، ولذلك، أصبحنا نحسب الحاصلين على الشهادة عوض الناجحين فيها، ولذلك، أيضا أصبحت العتبة “حقّا مكتسبا بالفطرة”، وأضحى نظام الإنقاذ قضية رأي عام، يسوّي بين الوزير والمدير والمير والأمير والغفير وبائع الشعير، ولكل أولئك المغاوير بكالوريا لـ”التعنتير” في كلّ المشاوير وبلا أيّ تدبير!