تومي أعطتني 12 سنة من الوعود الكاذبة
نشأ الفنان محمد محبوب في أسرة سوفية، تمتهن صناعة الخبز ابّا عن جد، بالإضافة إلى الفن، غير أن موهبته تجاوزت كونها موهبة محلية، وبرز نجمه بعد مشاركته في حصة ألحان وشباب سنة 1980، وكانت له العديد من الأغاني والألبومات، في شتى الطبوع الغنائية، ولم يتوان الفنان محمد محبوب في إجراء الحوار لمعرفة الوجه الآخر له، حيث استقبلنا في بيته وكان لنا معه هذا الحوار.
حدثنا عن نشأتك وكيف برزت موهبتك في الغناء؟
أصررت وأنا ابن الثماني سنوات، على أن انخرط في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية بالوادي، التي كان يقودها آنذاك صالح قدوري. طلبت بإلحاح من والدي كي يشتري لي لباس الكشافة الذي كان سعره 50 دج في سنة 1968، وبعد انخراطي فيها، التقيت بكوكبة من القادة الذين سهروا على إعداد البرامج الثقافية والتعليمية والأناشيد الدينية، والرياضة وغيرها من النشاطات التي كنا نقوم بها في تلك الفترة. وشيئا فشيئا بدأت موهبتي تعرف طريقها نحو الأفق، وكان للكشافة الإسلامية دورا محوريا في صقلها.
كيف كانت ردة فعل أسترتك وبالأخص والدك ومحيطك المقرب بعد اختيارك لطريق الغناء و الفن؟
لا أخفي عليك سرا بأن موهبتي لم تأت من الفراغ، لأن والدي وآخرين من الأسرة، كانت لديهم موهبة الفن بالفطرة، ففي العشرينيات من القرن الماضي، او في سنة 1939 كان والدي يضرب الطار مع والد الحاج فرڤاني (حمو)، كما أنني أعترف بأن والدي كان أذكى مني، بحكم أنه مارس الفن كهواية وليس كمهنة، أما اتخاذ الفن كمهنة فهذا خطأ.
لو لم تكن فنانا، فماذا كان باستطاعتك أن تكون؟
لأول مرة سأقول بأنني في بداية حياتي تعلمت النجارة عند عطا لله رحمه الله، وزكور رحمه الله، غير أن موهبة الفن كانت طاغية على وجداني وأحاسيسي، كما انني عملت كمسؤول مخزن في إحدى شركات البناء “الانتراكوم”، ومن النكت التي صادفتني وأنا أعمل هناك، ذات يوم أقيم صباحا حفل زفاف، نشطته فرقة الفنان الراحل أحمد التومي رحمه الله، في مكان غير بعيد عن المخزن الذي كنت أعمل به، فخرجت من العمل وذهبت لأغني، فجاء رئيس الورشة حينها ولم يجدني في المخزن، ورآني أغني، وبعدها التقيت به وقال لي بأنه سيرفع تقريرا للمدير من أجل إحالتي على مجلس التأديب، عندها قلت له تفضل مفاتيح المخزن “وبالسماح في الشهرين لي نسالهلكم”، ولم أستطع المواصلة لأن هواية الفن كانت هي السمة الغالبة على طبعي وشخصيتي.
كيف كانت بدايتك الأولى في عالم الغناء؟
أول فرقة اشتغلت معها، والتي لا يعرفها الكثير في ولاية الوادي، ولا أحد يتحدث عنها، والتي كانت تضم 35 عضوا، بقيادة صالح قدور، الذي كان أحد القادة في الكشافة، علما أنها مثلت ولاية الوادي في الجزائر العاصمة سنة 1963، حينها لم أكن قد بدأت الغناء، وأذكر أنهم لم يسمحوا لي بالغناء في بداية السبعينيات، بحكم أنني كنت صغيرا، إلا أنها هي الفرقة التي بدأت معها مشواري الفني.
بمن تأثر الفنان محمد محبوب في صغره؟
كنت أقلد بعض الأصوات التونسية، على سبيل المثال أغاني الفنان أحمد حمزة، قاسمي الكافي غرسة، وغيرهما، بحكم قرب المسافة بين مدينة الوادي وتونس، فالأغلبية العظمى في منطقتنا كانت تستمع باستمرار للإذاعة التونسية عبر الراديو في ذلك الوقت، وكنت أغني كهاو مع الفرقة التي سبق وأن ذكرتها، وكانت تحوي العديد من الأصوات الواعدة وفنانين من طينة الكبار، غير أن وسائل الإعلام في الوادي كان تواجدها محتشما، وهو الأمر الذي جعل تلك الطاقات لا تظهر.
دعني أقول لك بأن أول من أدخل التصوير والتلفزيون لولاية الوادي، في سنة 1976 هو المخرج الكبير محمد حازورلي، وحينها كنت أغني فقط في حفلات الزفاف وأشياء بسيطة، لكن في أواخر 1978، التحقت بفرقة الأمل، التي يقودها إبراهيم بليمة، ابن العازف القدير على آلة الزرنة علي بليمة، الذي سمى ابنه على جده، وهو الآن عازف ماهر على آلة الأورغ.
أذكر أن بعض الأصدقاء والأحباب أشاروا علي بالمشاركة في ألحان وشباب، بعدها ذهبت إلى ولاية بسكرة مع صديق الدرب المؤلف لزهر سوفية، لإجراء التجارب الصوتية، وتم قبولي والحمد لله، وبذلك كنت ممثل ولاية بسكرة التي كانت الوادي تابعة لها إداريا في تلك الفترة، لأمثلها في التصفيات في الجزائر العاصمة، وللعلم فإن جميع الولايات كان لها حصة واحدة في التلفزيون، ما عدا بسكرة التي حظيت بحصتين، وكان لي شرف الظهور فيهما الاثنين.
تأثرت بالأغنية التونسية، فماذا عن الأغنية السوفية؟
الأغنية السوفية كانت تغنى في الأعراس وفي كل مكان، لكن من الناحية الإعلامية لم يسلط عليها الضوء بشكل يجعلها ملهمة للفنانين المبتدئين، وللعلم فإن أول من دفع بالأغنية السوفية للظهور إعلاميا في فترة الستينات هو عبد الرزاق جبالي، الذي هذب الأغنية السوفية ” آه آه يا اوخياني”، وأعطاها للفنانة فاتن، وبالرغم من أنها لم تلق رواجا كبيرا، إلا أنها تعتبر أول بث للأغنية السوفية على الراديو، لكن الفرصة الأولى لظهور الأغنية السوفية على شاشة السينما سنة 1981 كانت من خلال تقمصي لدور شاعر القرية في فيلم “العاصفة” للمخرج الكبير لخضر حمينة، لأكون بذلك أول من أدخل الأغنية السوفية في السينما.
في بدايتك كنت مغنيا أم ممثلا؟
ذكرت لك في بداية هذا الحوار، أنني كنت منخرطا في الكشافة الإسلامية الجزائرية، وفيها صقلت موهبتي من خلال النشاطات التي كنا نقوم بها مثل الغناء والأناشيد والتمثيل في المسرح. كنت شغوفا بتمثيل العديد من الأدوار، وهو الشيء الذي ساعدني لأنجح في دور شاعر القرية، كما لا أخفي بأن ظهوري في حصة ألحان وشباب في تلك الفترة مع الدفعة التي تلقيتها من طرف وزير التجارة عبد العزيز خلاف آنذاك، حين قال للمخرج لخضر حمينة وهو يمزح “شوف لمحبوب دور معاكم”، فنظر لي وقال “اقتراح مش بطال وممكن إيكون”، وبعدها اتصلوا بي وقمنا بالتجارب بالقرب من مسبح فندق سوف ومعي فرقة الأمل بقيادة براهيم بليمة، أديت حينها مواويل وأغاني، من خلالها تم اختياري للتمثيل، وكنت محظوظا والحمد لله، وتم اختياري على أساس الموهبة التي أمتلكها والحمد لله قمت بدوري بنجاح.
كم أنتج الفنان محمد محبوب من أغان منذ بداية مسيرته سنة 1980 إلى يومنا هذا؟
أنا إنسان منتج، وعندي أغان كثيرة، لدرجة أن هناك أغاني نسيتها، نعم، إنني أنتج رغم أن إمكاناتي المادية لا تسمح بذلك، أنا إنسان لا أستطيع الجلوس بدون تجديد، وأحب أن أعايش العصر وتطوراته، كما أنني أغار كثيرا على بلدتي وادي سوف ووطني الجزائر. وفي حياتي لم أطلب شيئا، لأن إنتاجك هو الذي يثبت كل شيء، ومن بين الأغاني التي أديتها “والله يا غنية” من التراث المغاربي، أي أنها تغنى في تونس وليبيا والجزائر، والتي أديتها مع أوركسترا عبد الله كريم وبثت على التلفزيون، كما أنني معروف بالمواويل، التي لا يستطع أي فنان أن يؤديها كما ينبغي الحال، لأنني تتلمذت عن بعد من ناظم الغزالي، محمد طه، صباح فخري، وديع الصافي، وعندي أغان عاطفية وأخرى عن الأم وعن الحج، وعندي في عدة مواضيع.
ماذا تعني لك مدينة سوف وأهلها؟
عندي صلة وثيقة بأبناء بلدتي، بالأخص الذين يعيشون بعيدا عنا، مثل النوبلي فاضل، ولعلمك أنه لحن لأكبر الفنانين العرب، مثل وديع الصافي وما أدراك، هذا ابن سوف ابن حاسي خليفة، ربما هذه أشياء لا يعرفها الكثير عن سوف وأهلها، لقد أنجبت سوف الكثير من العمالقة مثل خراز محمد الصغير، عبد القادر مسعي، عبد المجيد طالبي، أول رئيس أوركسترا في العاصمة، وكذلك المخرج المرحوم خليفة كريو ابن مدينة قمار، الذي عمل مع “ماما نجوى”.
من منا لا يعرف الدكتور ابو القاسم سعد الله؟ من منا لا يعرف العلامة الياجوري؟ ومن بين الأشياء التي تحز في نفسي أن ولاية الوادي بها مطار يستوعب هبوط جميع أنواع الطائرات وبكل الأحجام، وهنا أناشد السلطات المحلية والمركزية تخصيص طائرتين لنقل الحجاج من الوادي إلى مكة.
أنا لست برلمانيا و لكن غيرتي على بلدتي تدفعني لأقول بأن اولادنا ماتوا في الطرقات العام الماضي وهم في طريق العودة من ولايات مجاورة، ذهبوا لها لجلب آبائهم وأمهاتهم.
ما هو التوجه السياسي أو الانتماء الحزبي للفنان محمد محبوب؟
أنا حزبي وانتمائي للجزائر، ولا شيء غير الجزائر، وأي حزب يحب الخير للجزائر فأنا معه، لذلك حزبي هو الجزائر.
هل من الممكن أن نعرف كيف يرى الفنان محمد محبوب الوزيرة السابقة والحالية للثقافة؟
..(ضحك) أصارحك القول، بالنسبة للوزيرة خليدة تومي، وعدتني بالعديد من الاشياء لمدة 12 سنة إلى أن رحلت عن الوزارة، ولم أر شيئا، ففي العديد من الانتاجات وعدتني بالمساعدة، وفي كل مرة كانت تقول، انت في المرة القادمة، إلى أن ذهبت ولم أسمع منها غير “أنت في المرة القادمة”، أما الوزيرة الحالية فلم أر منها لا شر ولا خير ولا أعرفها، لكن يبدو لي حسب الحديث العام أنها تحب الفنانين والمثقفين، كما أنها ابنة القطاع، واتمنى أن أحظى بملاقاتها إن شاء الله.
العام الماضي في مثل هذه الفترة تعرضت لحملة مضادة قيل فيها إنك انتهيت فنيا، هل صحيح ما قيل؟
من يعرف محمد محبوب، يعرف أنني صبور جدا ولست متسرعا، وأعرف متى أرد وكيف أرد، أي في الوقت المناسب، وعادة ما يكون ردي بالعمل والانتاج والميدان مع التجديد، وليس بالجلوس في المقاهي والشيشة، وبدليل أن ردي العام الماضي كان بإنتاجي لأغنية وكليب”سيري يا الخضراء”، وكنت بذلك الوحيد من الصحراء الذي انتج اغنية للفريق الوطني.
كلمة أخيرة
أنتهز الفرصة لأحيي قراء “الشروق” وعلى رأسها المدير العام علي فضيل، وأقول لهم بأنني سأفاجئهم بعمل جديد سيكون ديو مع الفنان خالد محبوب حول قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، ونحن الآن بصدد التحضير له، ومن هنا أناشد وزيرة الثقافة مساعدتنا في عملية تسجيل الأغنية، لأنها مكلفة بعض الشيء، بالإضافة للتحضير لأعمال أخرى ستكون على شكل ديو مع فنانين من تونس الشقيقة، وكذلك ديو مع الفنان خالد محبوب في أغنية على مدينة غرداية.