جيل بن غبريط “يُدستر” الغش كحق طبيعي للحصول على الشهادة
أصبح الغش في الامتحانات من “الاختراعات” الطلابية التي تُساير التطور، حيث صار الطلبة يعتمدون على أحدث وأغرب ابتكارات الغشّ التي لا تتوقف ولا تنتهي، من دون مبالاة بأن مثل هذه المُمارسات خاطئة وقد تؤدي إلى حرمانهم من الامتحانات ومن الدراسة وإقصائهم لسنوات في حال ضبطهم وهم يستعملونها، ومع ذلك فالظاهرة في تفاقم وتزايد مستمر فهي تزداد سنة بعد أخرى، حتى إنّ بعض الطلبة أصبحوا يمارسونها وكأنها حق من حقوقهم..
تحوّلت حراسة امتحانات السداسي الأول، التي انتهت في كثير من الجامعات على المستوى الوطني الخميس الفارط، فيما تنتهي ببعض الكليات ككلية علوم الإعلام والاتصال بالعاصمة وقسنطينة وعنابة الخميس المقبل، إلى صُداع مزمن أنهك رؤساء الأقسام وعمداء الكليات بسبب عمليات الغش الجماعي، التي استفحلت كثيرا في السنوات الأخيرة، وأصابت المستوى العلمي للطلاب.
واستنكر عدد من الأساتذة بمختلف جامعات الوطن في حديثهم مع “الشروق”، استفحال ظاهرة الغش، التي باتت سيناريو يتكرّر مع كل امتحان، فالطلبة لم يكتفوا بالغش المألوف، وإنما ذهبوا إلى أعلى وأبكر مستوياته، وغالبيتهم إن لم نقل معظمهم من الحاصلين على بكالوريا الجيل الثالث الذين تحصلوا على البكالوريا بالغش وانتقلوا إلى الجامعات تحت شعار “من نقل انتقل ومن اعتمد على نفسه بقي في قسمه” ورسّخوا هذا الشعار في أذهانهم ورفضوا العدول عنه، متجاهلين بذلك كل قيم ومبادئ الشريعة الإسلامية التي تُحرّم الغش ومنها الحديث النبوي الشريف الذي يقول: “من غشّنا فليس منا”، ورغم حراسة الأساتذة المشددة، كما صرحوا لنا، إلاّ أن الطلبة يتقنون الغش ويتفننون فيه، وأقسم لنا بعض الأساتذة بأن هناك طلبة لم يقرؤوا حتى الأسئلة وراحوا يبحثون عن وسيلة للغش، إما عن طريق الهاتف النقال أو أوراق صغيرة تسمى “الزوم”، وهناك من ارتقى عن هذا المستوى، وصار يستعمل “السماعات”، هذا دون الحديث عن “البلوتوت” و”الساعات” الخاصة بالغش وغيرها من التقنيات التي صارت عند أغلب طلبة الجامعات، الذين يتلقون أسئلة سهلة ومباشرة كـ”عرّف” و”اذكر”، تُسهل عليهم عملية الغش.
وصرّحت الأخصائية النفسانية المعالجة بالطاقة الحيوية مونيا دراحي في اتصال بـ”الشروق” بأن عملية الغشّ لا يمكن تعميمها على كافة الطلبة باعتبار الطلبة الذين يستعملون الغش في حياتهم هم طلبة مبعثرون ليس لديهم أهداف، مؤكدة على أن الغشاشين هم نتاج بكالوريا الجيل الثالث، وكل ما يهمهم إكمال الدراسة والحصول على شهادة، أمّا الذين لهم وعي بالحياة فهم يدرسون ويجتهدون ويتعبون من أجل الحصول على الشهادة.
وأضافت المتحدثة أنّ أهم عوامل الغش تتعلق بأن العلاقة بين الطالب وقيمة العلم علاقة منفصلة، فضلا عن عدم وضوح الرؤية والهدف، والطريقة التي اعتمدها الطالب في حياته منذ الصغر، فإذا تعلم الغش وهو صغير لن يستطيع أن يعتمد على نفسه عندما يكبر، بحسب ما صرحت به الأخصائية النفسانية دراحي، التي أكدت أن أهم سبب للغش هو العامل التحفيزي، حيث إن هناك بعض الطلبة يجتهدون ويحضرون المحاضرات ويدرسون بجد واجتهاد طوال السنة الدراسية، ليأتي آخرون يعتمدون الغشّ ويأخذون علامات أحسن من علامات زملائهم الذين تعبوا واجتهدوا من أجل تحصيلها، فيلجؤون هم أيضا إلى الغش ويتوقفون عن الدخول إلى المحاضرات، وتحدثت دراحي أيضا عن سبب آخر يدفع بالطلبة إلى الغش، وهو عدم توجيههم في الرغبة التي يحبونها، فيدرسون شعبة لا يحبونها، ما يجعلهم يعتمدون على الغش في الامتحانات لتحقيق النجاح والحصول على الشهادة فقط.