“ديان بيان فو” بسيكولوجية
شعبان كريمان أحدهما في شرق آسيا والآخر في شمال غرب إفريقيا، إنهما الشعبان الفيتنامي المكافح والشعب الجزائري المجاهد.
حطّت الأقدار في صحيفتي هذين الشعبين أن يبتليا بأشد “استعمار” قساوة، وهو “الاستعمار” الفرنسي اللعين إلى يوم الدين، فعانيا من شره “ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر”، ولكنهما – وبشهادة عدوّهما- جاهداه جهادا مريرا، وفعلا فيه ما جعله يصاب بـ “عقدة لا حلّ لها، ولا شفاء منها”، ومالا ينساه إلى أن تبدّل الأرض غير الأرض.
إن عقدة فرنسا هي أنها تمن على الشعوب التي ابتليت بها فتقول لها: “لقد منحتك الحرية”، ولكنها لا تستطيع أن تقول ذلك للشعبين الفيتنامي والجزائري، لأن العالم كله إنسه وجنه يعلم أن هذين الشعبين استرجعا غلابا أرضيهما اللتين أخذتا اغتصابا، وحطّما كبرياء فرنسا وتعاظمها، حتى أرجعاها إلى حجمها الحقيقي، وهو أنها – كما يقول الإمام المجاهد محمد البشير الإبراهيمي-: “كبرى الدول الصغرى، وصغرى الدول الكبرى”.. وهي منزلة مؤقتة لأنها حققتها بسواعد أبناء الشعوب الإفريقية والآسيوية، وبخيرات هذه الشعوب، التي تكافح لتتخلص مما احتفظت به فرنسا من وجود في أراضيها.
كانت الضربة القاضية على فرنسا في الفيتنام هي “معركة ديان بيان فو” في مايو من عام 1954، وهي معركة جعلت فرنسا سخرية الساخرين، وأضحوكة الضاحكين.
إذا كان المجاهدون الجزائريون لم ينجزوا نصرا عسكريا كنصر “ديان بيان فو”، فليس ذلك لقلة في شجاعتهم، ولكن لأنه لم يتوافر لهم ما توافر للفيتناميين من محاذاة للصين، وتوافر السلاح من جميع الأنواع، وبكميات كبيرة، ولكن الشعب الجزائري المجاهد حقق ما لم يحققه غيره من الشعوب وهو أنه نقل جهاده إلى أرض عدوه، ما جعل الجنرال دوغول يعترف في صغار بقوله: “وقد لوحظ في فرنسا ازدياد “اعتداءات” جبهة التحرير الوطنية زيادة مذهلة على الفرنسيين أو على “المسلمين” المؤيدين لميصالي الحاج”. (دوغول: مذكرات الأمل، ص 102). وقد استطاع شاب مجاهد، هو محمد ابن صدوق – أطال الله عمره- اختراق أجهزة الأمن الفرنسي وقتل الخائن علي شكّال، وهو جالس بجوار رئيس الجمهورية الفرنسية روني كوتيي.
إن تعبير “ديان بيان فو بسيكولوجية” هو تعبير أطلقه ضابط فرنسي على مظاهرات ديسمبر 1960، وقد أورده آلان جاكوب في كتابه المسمى: “D’une Algérie à l’autre” (ص 94).
لقد أسقط الشعب الجزائري بمظاهراته التي امتدت من غرب البلاد إلى شرقها خرافة “الجزائر الفرنسية”، ولن يتنازل عن أرضه، ولا ممثل له إلا “جبهة التحرير”، ولن يثنيه عن حقه لا ترغيب من مثل “مخطط قسنطينة”، ولا ترهيب من مثل التفجيرات الثورية الوحشية التي أجرتها فرنسا.. وهذه المظاهرات قد أسمعت من به صمم من الفرنسيين وحلفائهم، وبدأ المجرمون الفرنسيون يحزمون حقائبهم لترك “جنة الجزائر” التي تنعموا فيها، وأخرجوا منها أهلها رحم الله شهداءنا الأبرار من أولهم في اسطاوالي إلى آخرهم في مكان ما من الجزائر المجاهدة.