رحلة الديمقراطية من باماكو إلى داكار
بينما يواصل مالي الانزلاق نحو وضع يهدد أمن كل منطقة الساحل، جاءت أجمل مفاجأة لهذا الشهر من السينغال، حيث انتصرت الديمقراطية على حاكم أراد أن يخلد في السلطة على حساب بلاده. وفشل الرئيس عبدالله واد في محاولته للحصول على عهدة ثالثة، بينما كانت المعارضة تتهمه بأنه يعمل لإقامة جمهورية وراثية لفائدة ابنه. وقد أدى الانفراج في السينغال إلى الاعتقاد أن الديمقراطية تبقى ممكنة في إفريقيا، بينما تشير الأحداث في مالي إلى أن الانزلاق أمر سهل، ويبقى هو كذلك وارد في منطقة لم تستطع لحد الآن أن تجعل من الديمقراطية ممارسة عادية.
وقد كانت الأمور معقدة إلى أقصى حد قبل شهر فقط في السينغال، حيث كان الرئيس واد يتلاعب بالدستور وبالمؤسسات، ليحصل على عهدة ثالثة. ورغم معارضة الشارع، ورفض الدول التي تتعامل مع السينغال، تمسك عبد الله واد بمشروعه، ليعطي صورة كاريكاتورية للحاكم الإفريقي الذي يريد البقاء في السلطة إلى يوم الدين.
ومما زاد الصورة بؤسا أن السيد عبدالله واد كان معارضا تاريخيا منذ السنوات الأولى للاستقلال، وأنه صمد في وجه السلطة سنوات طويلة، إلى أن استطاع أن يصل إلى الحكم بطريقة ديمقراطية. ولما بلغ الرجل 86 سنة، تغير سلوكه، وأصبح يحب السلطة مثله مثل الكثير من حكام العالم الثالث الذين تمسكوا بالكرسي إلى أن طردهم الشعب أو ماتوا في السلطة. وبدأ الكثير يتساءل هل أن عبدالله واد سيعرف مصير القذافي أم مبارك أم روبار مغابي، بينما تساءل الآخرون ما هي تلك اللعنة التي أصابت إفريقيا ليبتليها قدرها بمثل هؤلاء الحكام؟ وفي ميدان آخر يخص السيد عبدالله واد، ولماذا اختار الزعيم السينغالي في آخر أيامه هذا السلوك الذي يحطم ماضيه ويقضي على صورة المعارض النزيه التي فتحت له أبواب السلطة؟
وقد أدى تصرف الرئيس السينغالي الأسبق إلى رد فعل أعطى دفعا جديدا للديمقراطية في بلاده. وقد حدث شبه إجماع وطني ضده، ووافق كل المرشحين للرئاسيات أن يلتفوا حول الوزير الأول الأسبق ماكي صال، وتعاطف الرأي العام الدولي مع المعارضة، إلى أن أصبحت الإطاحة بالرئيس الأسبق قضية دولية ليعيش السينغال ربيعه الديمقراطي.
ويشير الوضع في السنغال إلى أن انتصار الديمقراطية أصبح ممكنا بفضل التقاء سلسلة من العوامل، منها الصورة السيئة للرئيس عبدالله واد، وإجماع المعارضة ضده، والتفاف كل مرشحي الرئاسيات حول الوزير الأول الأسبق، إلى جانب صمود الشارع، ومواصلة الاحتجاج بطريقة ديمقراطية، ومساندة الدول الكبرى للمسار الديمقراطي. وتمكن السينغال من الاحتفاظ بالاحتجاج السلمي في ظرف صعب، لأن هذا البلد ورث تقاليد ديمقراطية منذ الاستقلال، واستطاع أن يحافظ عليها ولو بطريقته الخاصة.
وإذا كانت هذه التجربة الناجحة في السينغال تشير إلى أن الديمقراطية ممكنة في إفريقيا، فإنه يكفي أن نرى ما يجري خلف الحدود السينغالية من الجهة الغربية لنجد تجربة معاكسة تماما. وقد كانت مالي تعيش بداية تجربة ديمقراطية مع تنظيم انتخابات مقبولة، وبروز سلطة تتمتع بالشرعية الكافية لتتمكن من تسيير شؤون البلاد. لكن الظروف الدولية خلقت وضعا سياسيا جديدا أصبح يهدد استقرار مالي، وبادر عدد من الضباط إلى تنظيم انقلاب بحجة عجز السلطة القائمة على مواجهة الوضع.
وجاء هذا الانقلاب الجديد رغم أن عهدة الرئيس توماني توري تنتهي بعد شهر، ولأنه لا ينوي الترشح مرة أخرى، مما يعني أن الضباط الذين أطاحوا به لا يريدون تنحيته فقط، بل يريدون كذلك وضع حد لمسار سياسي إلى جانب القضاء على المؤسسات القائمة. وإذا أضفنا إلى ذلك أن عوامل عدم الاستقرار متوفرة بكثرة في المنطقة، وأن كل المؤشرات تؤكد أن التوتر سيتضاعف، مع وجود التنظيمات المسلحة بكثافة، فإنه من الواضح أن الأزمة السياسية في مالي لن تزداد إلا تعقيدا.
وعند مواجهة هذه الأزمة التي تهدد مالي، سيكون من المفيد الرجوع إلى التجربة السينغالية: إن العوامل السياسية التي تدفع إلى الخروج عن المسار الديمقراطي تبقى متشابهة، ويمكن استعمال نفس الأساليب لمواجهتها، رغم بروز عناصر توحي أنها مختلفة.