-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رسائل أولية في رئاسيات 2024

رسائل أولية في رئاسيات 2024

في ضوء ما أعلنت عنه “السلطة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات” بخصوص نتائج استحقاق 2024 الرئاسي، فإنّ الموعد السياسي قد أبان عن جملة من الرسائل الأولية التي لا يمكن أن تخطئها العين، بل ينبغي الانتباه لها والبناء عليها.

لقد صارت العملية الانتخابية على المستوى المادي والتنظيمي في هدوء إلى أبعد الحدود، حيث لم نشهد أحداث عنف أو شغب، مثلما حدث في مواعيد سابقة باقتحام مراكز تصويت أو حرق صناديق، وهذا دليل مهم على نضج المواطنين في التعبير عن رأيهم بسلمية، سواء بالتصويت أو العزوف أو المقاطعة الصامتة، كما أنه مؤشر واضح على حالة الاستقرار العام الذي جرت في كنفه الانتخابات بعيدا عن الاستقطاب المشحون.

لكن بالمقابل، فإنّ هناك فئة واسعة أيضا تظل خارج الكتلة المعبرة انتخابيّا، ومهما اختلف المحللون في توصيفها وتصنيفها بين العزوف أو المقاطعة أو الامتناع السلبي، فإنها تبقى مؤشرا لافتًا بحاجة إلى قراءة موضوعية، ولا يمكن فقط الاستئناس إلى كون العزوف الانتخابي ظاهرة عالمية، بل يتوجب على الجهات المعنية والنخبة السياسية والعلمية تشريح الواقع الجزائري لفهم سلوك المواطن، وإيجاد الحلول المناسبة، بما يعيد ردم الهوة بين الحاكم والمحكوم والمواطن ورجل السياسة والمتصدر للشأن العام عمومًا.

إنّ ما يقلق في هذه المسألة هو أن يكون الوضع تعبيرا عن حالة عدم ثقة شعبية في المنظومة العامة بكل واجهاتها الرسمية والحزبية والنخبويّة، فنصبح حينها أمام مجتمع خارج السيطرة والتأطير، مُعرضًا للاستغلال والتوجيه من دوائر معادية ورموز مأجورة في الخارج.

من جهة أخرى، تثبت النتائج المؤقتة أن الرئيس عبد المجيد تبون قد حظي بتزكية شعبية جد واسعة وفوق المتوقع أحيانًا، ومن دون الدخول في تفسيرها، فإنّ المؤشرات تعني أن الجزائريين، المعبرين على الأقل عن أصواتهم، راضون عن حصيلة العهدة الأولى، رغم كل الضغوط التي رافقت بدايتها في ظل الجائحة الكونية لفيروس كورونا وما نجم عنها من انهيار لسوق النفط طيلة سنة كاملة تقريبا.

لقد برهن الجزائريون على وعيهم بالرهانات الكبرى التي خاضها الرئيس تبون داخليا وخارجيّا، والتي ستكون لها قطعًا آثارها الإيجابية المباشرة على حياة المواطن في المرحلة المقبلة، خاصة أنّ السنوات الأخيرة عرفت ارتفاع معدل التضخم الذي أنهك القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، بفعل تداعيات السوق الغذائية العالمية ونقص الإنتاج الوطني المتراكم طيلة عقود.

لا ينكر أحد أن الرئيس تبون نجح في تحسين المؤشرات الكلية للاقتصاد الوطني وتحريك قطاعات نائمة وضبط التجارة الخارجية وإعلان الحرب على الفساد المالي وفتح آفاقًا واعدة أمام الاستثمار المحلي والأجنبي، أي أنه وضع الاقتصاد على سكة الانطلاق السليمة، في انتظار قطف الثمار خلال السنوات القليلة القادمة، بالوصول إلى 400 مليار دولار كناتج وطني خام و30 مليار دولار صادرات خارج المحروقات.

صحيح أن المواطن البسيط يتلمس الاقتصاد في جيبه المثقوب وليس في أرقام السلطات ولا وعود المراقبين، لكن المنطق يقول أيضا إن الحصان ينتصب أمام العربة وليس خلفها، لذلك ما قام به الرئيس تبون كان مرحلة ضرورية لتعديل الأوضاع المختلة، وبعدها ستكون الفرصة تلقائية لتوفير ظروف الحياة الكريمة للجميع، مع أن الحكومة لم تتنظر حتى ذلك الحين، بل بذلت جهدها في تكريس التضامن الاجتماعي لحماية كرامة الفئات الهشة عبر إجراءات ملموسة تخص رفع الأجور والمعاشات والإعانات الاجتماعية وإقرار منحة للبطالين.

إذا كانت هناك من رسالة سلبية يجب التحرّي فيها، لوضع حد قاطع لها، فهي ممارسات بعض الأفراد من ذوي المصالح الخاصة، والذين يزايدون في كل مناسبة انتخابية بسلوكيات غير مطلوبة، لكنها تسيء إلى نزاهة العملية ومصداقيتها وسط المواطنين وتدفع بهم إلى اليأس من جدوى التغيير عن طريق الصندوق.

رغم قوة الإرادة السياسية وترسانة الآليات القانونية الصارمة في ضمان ممارسة المواطن لحقه الانتخابي وحماية صوته، فإنّ مراكز الاقتراع عبر الوطن لا تخلو من فاسدين، يريدون التغطية على أنفسهم ومواقعهم ومصالحهم، بأفعال فردية خادشة في شفافية الانتخاب، طمعًا منهم في الحماية من الملاحقات مستقبلاً أو طلبا لترقيات غير مستحقّة مثلما يتوهمون.

إنّ على كل السلطات التنفيذية والقضائية الضرب بيد من حديد ضدّ كل من يثبت في حقه التصرف المعزول بأي شكل يطعن في نزاهة الانتخاب محليًّا ولو في صندوق واحد بمنطقة نائية عديمة التأثير في المسار العام للاستحقاق، لأنّ العبرة بردع السلوك للحفاظ على مصداقية الدولة ومؤسساتها.

من الرسائل التي برزت في سياق الاستحقاق الانتخابي، هو الانزعاج الفرنسي البالغ والتألم المخزني من استمرار الرئيس تبون في رئاسة الجزائر، مثلما عبرت عنه أبواقهم الإعلامية، وعندما يظهر غيظ العدوّ وحليفه، فإنها أمارة بالغة على أن المسلك السياسي والاقتصادي والدبلوماسي لبلادنا في الطريق الصواب.

إنّ ما يرعبهم في سياسة الرئيس تبون هو الروح الوطنية والندية السيادية التي لا تقبل المناورة ولا المساومة على مصالح البلاد الداخلية والجيوسياسية في الإقليم ولا التنازل قيد أنملة على ذاكرة الشهداء، ولأجل ذلك ينبغي تحقيق مزيد من الالتفاف الشعبي والحزبي حول مؤسسات الدولة في هذا الاتجاه مهما بلغت الاختلافات والتقديرات في التفاصيل الجزئية المحليّة.

أمام الجزائريين مرحلة جديدة، سينجحون فيها جماعيّا، بالإرادة الصادقة في التكافل والتعاون، لتعزيز البناء الوطني على كافة المستويات، واستدراك كل النقائص والاستجابة لتطلعات كل المواطنين، بما يكفل لهم العيش الكريم في كنف دولة قوية تملك كافة المؤهلات الطبيعية والمادية والبشرية والحضارية نحو آفاق واعدة تجاه المستقبل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!