زلازل تحمل معها أبلغ المواعظ
عرفت مناطق مختلفة من الوطن في السّنوات الأخيرة هزات أرضية، لم تصل شدّة أغلبها 4 درجات على سلّم ريشتر، بينما تعدّت بعضها 4.5 درجة، من دون أن تسجّل أضرارا في الأرواح والممتلكات، ولله الحمد.. هزّات لا تهدّ البيوت والمساكن، لكنّها تهدّ الأرواح وتقرع القلوب، وتثير الذّعر في النّفوس، خاصّة تلك التي تكون في ساعات اللّيل المتأخّرة، حيث يكون أغلب النّاس في بيوتهم نائمين، فلا يشعرون وهم في أعزّ ساعات النّوم إلا وفرشهم تهتزّ من تحتهم ليستيقظوا مذعورين في وقت لم يعهدوا الاستيقاظ فيه.. يستيقظون مرغمين غير مخيّرين على وقع أرض تهتزّ من تحتهم وجُدُرٍ تتحرّك من حولهم.. منهم من يلهج لسانه بالتّكبير، ومنهم من يرفع أصبعه بالشّهادة، ومنهم من يفرّ من بيته في جنح اللّيل يرجو النّجاة ممّا قد يحيق ببيته.. هزّات لم تصل شدّتها 5 درجات، لكنّها كانت كفيلة بأن تحرّك القلوب، وتجعل كثيرا من الشّباب والكهول والشّيوخ يهرعون إلى المساجد التي تكتظّ عند صلاة الفجر على غير العادة.
هزات أرضية لا تتجاوز مدتها نصف دقيقة تحمل معها مواعظ أبلغ من كلّ المواعظ التي تُسمع من المنابر والقنوات.. وتذكّر عباد الله المؤمنين بعظمة الخالق جلّ شأنه، ((مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز)).. وبضعفهم وقلّة حيلتهم ((وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)).. وتذكّرهم بأنّ بلاء الله قد يحلّ في وقت يكون فيه النّاس جميعا في غفلة أو هم في أضعف أحوالهم.. ((أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُون)).
الزّلازل موعظة من أبلغ المواعظ؛ تُذكِّر من تَذَكّر بأنّ الموت أقرب إليه من شِراك نعله، بل أقرب إليه من غمضة جفنه؛ لا يدري العبد متى ولا أين ولا كيف يأتيه، فهذه الحياة مليئة بالأخطار مشوبة بالأكدار لا يستقرّ عليها قرار؛ زلازل وسيول وفيضانات وأعاصير تحصد آلاف ومئات الآلاف من الأرواح.. حوادث المرور تحصد مئات الآلاف كلّ عام.. بينما الإنسان صحيح معافى يسعى ويفرح ويمرح، إذ بقارعة تنزل بساحته فجأة، فيصبح بين عشية وضحاها خبرا من الأخبار، يقال عنه: كان فلان وقال فلان.. فمغرور من أمّل الأمالي وارتقى العوالي ونسي الموعد بين يدي الكبير المتعالي.
إنّ من أعظم المصائب التي ابتلينا بها في هذا الزمان قسوةَ القلوب وذهابَ الخشوع؛ ليس الخشوع في الصّلاة فحسب، إنّما الخشوع في تدبّر آيات الله، والاتعاظ بنذره جلّ في علاه. يقول نبينا عليه الصّلاة والسّلام: “أوّل ما يرفع من هذه الأمّة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعا”. ثمّ ماذا بعد رفع الخشوع؟ تتوالى الآيات ولا معتبر، وتتعاقب النذر ولا مزدجر؛ يسير الرجلان إلى معصية الله فيُمسخ أحدهما أو يخسف به فلا يَمنع الآخرَ أن يأتي المعصية؛ قلوب كالحجارة أو أشدّ قسوة. ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ* وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ* وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ* حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُر)).
ينبغي لنا أن ندعو الله بالسّلامة والعافية دائما وأبدا، ونرجو الرّؤوف الرّحيم أن يعاملنا بعفوه ورحمته، لكنّنا لا ينبغي أبدا أن نأمن نقمته وعقابه.. خاصّة أنّنا نرى في واقعنا ومن حولنا كيف تؤتى الكبائر والموبقات، وكيف أصبح بعضنا يجاهرون ويتباهون بفعلها، ولا يكاد ينكر صنيعهم إلا من رحم الله منّا.. كلّنا خطّاؤون، وكلّنا نغفل ونسهو ونضعف، لكن أن يصل بنا الأمر إلى أن حدّ نألف معه المنكرات ونرضى بها، فهذا من أعظم أسباب حلول العقوبات.. حينما سَألت أمّ المؤمنين أمّ سلمة– رضي الله عنها- النبيّ- صلّى الله عليه وسلّم- فقالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال: “نعم، إذا كثر الخبث”.. لقد كثر الخبث في واقعنا، وأصبحنا نرى ونسمع عن عباد لله مسلمين يعاقرون الخمر وآخرين يتاجرون بها جهارا نهارا في محلاّت مرخّص لها وأخرى يُغضّ عنها الطّرف.. أصبحنا نسمع ونقرأ على صفحات الجرائد عن أوكارٍ للزّنا وملاه ليلية يرخّص لها في مدننا.. أصبحنا نفجع من حين إلى آخر بأقوام من بني جلدتنا يتكلّمون بألسنتنا لكنّهم يَصِلون اللّيل بالنّهار ليطمسوا الثّوابت ويمحوا القيم ويخرجوا أجيالا تتنكّر لدينها وتاريخها وتتخلّى عن قيمها وأخلاقها.. نرى نساءً وفتياتٍ مسلمات يتلاعبن بالحجاب ويلبسن السّراويل الضيّقة ويضعن العطور والأصباغ ويتمايلن في المشية وينزلن إلى الأسواق يزاحمن الرّجال ويتذلّلن للباعة.. نرى رجالا مسلمين يشهدون الشّهادتين ويؤمنون باليوم الآخر، لكنّهم يخونون أماناتهم.. نرى عبادا لله مسلمين يمتّعهم الله بالصحّة والعافية، لكنّهم لا يصلّون.. نسمع عن شباب يبيتون أمام المواقع الإباحية في مقاهي الإنترنت وأمام شاشات هواتفهم، ونراهم في الشوارع لا همّ لهم إلا اللّهث خلف الشّهوات.. نرى مسلمين يصلّون في المساجد لكنّهم يحيون حفلات الأعراس بالمغنين والديسك جوكي والأغاني السّاقطة.. نرى ونسمع عن مسلمين يصلّون ويصومون ويعتمرون، لكنّهم يعادون ويخاصمون إخوانهم وأقاربهم وجيرانهم لأجل متاع من الدّنيا زائل، وربّما يصل الخصام بينهم إلى إشهار السّكاكين والعصيّ، وإلى إسالة الدّماء وإزهاق الأرواح.. نسمع عن فلاّحين وتجّار ومقاولين وسّع الله لهم في أرزاقهم وتجاراتهم لكنّهم لا يخرجون الزّكاة… فهل من توبة؟ هل من أوبة قبل أن يعمّنا الله بعقاب يصيب الفاعل والرّاضي والسّاكت.. إنّ الهزّات الأرضية المدمّرة التي تصيب بعض مناطق العالم وتصل شدّتها 9 درجات على سلّم ريشتر، يمكن أن تحلّ بأرضنا، ويومها لا يضمن الواحد منّا، هل يجد الوقت الكافي ليتوب ويصلح.. نسأل الله الحنّان المنّان أن يعاملنا برحمته ويردّنا إلى دينه ردّا جميلا.