سباب خلاها!
إذا استدعت وزارة الداخلية والي العاصمة، وطلبت منه توضيحات واستفسارات بشأن مزحته أو سقطته التي أثارت الثائرة بالأحياء القصديرية ووسط الطبقة السياسية والحقوقيين، فهذا مؤشر على أن عبد القادر زوخ تصرّف من تلقاء نفسه، ولم يكن تصريحه بإيعاز ومهماز وغمّاز لمّاز.. لكن إن صدق هذا الاحتمال، فهل يحقّ لوال من ولاة الجمهورية أن يقع في فخّ كهذا، ويرتكب بدل الخطإ خطيئة؟
لا بدّ من التأكيد بأن “الفوخ” لا ينفع “الزوخ”، في كثير من الأحيان، خاصة عندما يتحوّل إلى وسيلة للاستعراض والتباهي، أو أداة للتحريض والتأليب، حتى وإن كان بطريقة ساذجة وبلهاء، وليس عن قصد!
الساحة الوطنية، وهي على مرمى حجر على انتخابات رئاسية حاسمة ومصيرية، بحاجة إلى كاسحات قنابل، وليس إلى زراعي ألغام، ولهذا فإنه يُستحسن لبعض الأصوات أن تصمت أو تـُلجم بكاتم الأصوات، خيرا لها من أن تتكلـّم فتثير الفتنة والبلبلة والفوضى!
حكاية استدعاء الداخلية لوالي الجزائر، أو غيره من الولاة “المغضوب عليهم”، فيه كلام وملام، فهو دليل على غضب الوزارة التي يتبعها إداريا وقانونيا الوالي، وهو يعني أيضا أن وزارة الداخلية تريد “التبرّؤ” ولو ضمنيا من تصريحات بعض ولاتها، وفي ذلك، تحميل للمسؤوليات، ورسائل تفيد بأنه “فعل معزول” وانفرادي، قد ينتهي بحساب وعقاب!
لقطة وسقطة زوخ، للأسف، ليست الوحيدة عند تقييم وجرد لقطات وسقطات ولاة ووزراء ومديرين، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة وعاجلة وعادلة، لضبط تصريحات المسؤولين، حتى لا يتمّ اصطيادهم ولو عن طريق الصدفة، فلجم الألسن يصبح ضروريا ونافعا عندما يتحوّل التصريح والتلميح إلى “خطر على النظام العام”!
نعم، إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب، والصمت في أكثر من موقع يتحوّل إلى حكمة، وصدق من قال في سالف العصر والآوان: “الفم المزموم ما يدخلو ذبّان”.. والحقيقة أن التصريحات غير المحسوبة العواقب، تثير في كلّ مرة زوابع رملية وثلجية في عزّ الصيف!
فأحيانا، الرغبة في إثبات الطاعة والولاء، هي التي تجعل مسؤولين يفجّرون قنابل ويتنصلون من واجب التحفـّظ، فيُزلزلون المحيط ويصبحون على ما فعلوا نادمين، وتصدق حينها حكمة “ومن الحبّ ما قتل”، لكن هذا “الحبّ” قد يجلب “الحرب”، فيصبح “الحليف” بمثابة عود كبريت لإشعال النار!
لو نزل مثلا، والي العاصمة، ومعه باقي الولاة، إلى “البرارك”، وخاطبوا نزلاءها “بما يرضون”، لكان أنفع وأكثر دهاء، من المغامرة التي قد تنفع وقد تضرّ، مع الإشارة هنا، إلى أن مستشارين- وليس كلهم- للعديد من صغار المسؤولين وكبارهم، هم “سبب خلاها”، إمّا لأنهم لا يُجيدون فنّ “التدبار”، وإمّا أنهم ينصبون الفخاخ لمن يضمن لهم المنصب والمحلب!