“طعنة الظهر” تفتح النقاش حول قوانين الحماية
مع كل حادث مهني يتعرض له المنتسبون لقطاع معين يتجدد الحديث عن ضرورة سنّ قوانين حماية مهنية تجرم الاعتداء على المعلم والإمام والأستاذ الجامعي والإعلامي وغيرهم، وذلك سيرا على خطى أصحاب “المآزر البيضاء” الذين استطاعوا افتكاك قانون خاص بهم يحميهم من الاعتداءات التي طالما تعرّضوا لها في المؤسسات الصحية، وهذا ما فتح شهية بقية القطاعات في الحصول على نفس المكاسب بالنظر إلى التحوّلات الاجتماعية السائدة التي أحدثت انهيارا في المنظومة القيمية لعديد المرجعيات…
بات بعض المنتسبين لقطاعات مهنية معينة يخشون على أنفسهم من عدوانية محتملة تتربص بهم، قد تجعلهم مادة دسمة لحديث مواقع التواصل الاجتماعي أو ضحية ترقد في مؤسسات استشفائية أو جثّة هامدة في مصالح حفظ الجثث، وذلك مع تنامي العدوانية والعنف في المجتمع الجزائري.
وأحدثت المطالب المتزايدة لسن قوانين حماية في قطاع مختلفة على رأسها التربية لحماية المعلمين والأساتذة والشؤون الدينية لحماية الأئمة جدلا بين المختصين الذين يرافع بعضهم لصالح هذه القوانين، فيما يرى آخرون أنّها قد تشكل تعسفا من قبل البعض في استعمالها..
المحامي بهلولي: تعدد قوانين الحماية يعقّد تكييف القضايا
وفي هذا السّياق يرى ابراهيم بهلولي محامي معتمد على مستوى المحكمة العليا أنّ قانون العقوبات نظم هذه مسألة التعرض للعنف بشتى أنواعه إزاء كل موظف أثناء تأدية المهام تحت نص واحد هو إهانة هيئة نظامية أو موظف أثناء تأدية المهام، كما أنّ كل مهني في أي قطاع يقدم شكوى ضد أي مواطن تعرض له تحرك الدعوى القضائية بناء على المادة 144 من قانون العقوبات مع تقديم الدليل وما يدعم مزاعمه ويدين خصمه، فالحماية في القانون الجزائري موجودة ومضمونة لكل مواطن.
وثمّن بهلولي قوانين الحماية، مشيرا إلى أنّ التعديل جاء بناء على ما عرفته الجريمة من تطوّر وهو من بين أهم الأسباب التي أدت إلى خلق هذه النصوص في بعض القطاعات -بالنسبة لمهنة الطب- خاصة أنّ الجزائر عاشت في وقت ماضي انهيارا في جميع القطاعات أدّى إلى اختلال في المسؤوليات والممارسات التي لا تشرف القطاع ولا المواطن.
ويرى الأستاذ بهلولي أنّ “الجزائريين وجدوا في الهواتف المحمولة فرصة لنشر وفضح كثير من الممارسات وبالتالي فإن الجريمة باتت تنتشر في لمح البصر عبر كامل القطر الوطني وهو ما يعرف بالجريمة المرتكبة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، يعني أن معاناة المواطن أصبحت تنشر على المباشر ولما تكررت هذه التصرفات خاصة في بعض المستشفيات وتزامنت النصوص مع ظرف الصحي كورونا أين كان القطاع تحت ضغط رهيب واصطدمت معاناة المواطن بعجز صحي وطبي أدى بالمواطن إلى الخروج عن المألوف وارتكاب بعض الجرائم على المباشر وبالتالي ارتأت الجهات الرسمية أن الجيش الأبيض والأطقم الصحية عرضة للخطر من قبل مواطنين كثر ما دفعها إلى سنّ هذا القانون حماية للأطباء من بعض التصرفات الطائشة لمواطنين قد يتجاوزون حدودهم وهنالك أيضا تعسف من قبل بعض الأطباء فالنص الذي صدر أعطاهم الحماية القانونية.
وأبدى بهلولي تخوفه من التعسف في استعمال هذا القانون من قبل بعض المنتسبين للقطاع، مستدلا ببعض الحالات التي تصل إلى أروقة المحاكم ،البعض فقد يدفع المواطن نحو إصدار ردود فعل من شأنه الحصول على أحكام لصالحهم ورفع دعوى قضائية وبالتالي فالحدث ولو كان بسيطا قد يضخّمونه.
وكان الصحة أول قطاع استفاد من قوانين الحماية بهذا الشكل لأنّه كان يعاني بين عدم تفهم المواطنين المرضى وبين نقص الوسائل، خاصة أثناء الجائحة التي أضرت بأنظمة صحية عديدة في العالم.
وقال بهلولي: “النص تضمّن تشديد العقوبة لكل من يتعرض لطبيب أكثر مما كانت عليه في السابق… نتخوّف من سوء توظيف النصوص من قبل بعض القطاعات التي قد تتعسف في الأمر”.
ودعا بهلولي بالمقابل إلى التشديد على ضرورة فرض نصوص جزائية على المسؤول وحتى على الطبيب المتعسف، فالنصوص يجب أن تراعي حرمة المواطن وكرامته في طلب الخدمة.. وألا تكون المتابعة الجزائية لمجرد حادث بسيط من قبل مواطن أراد أن يمارس حقه في العلاج المجاني فقوبل بانعدامها..”
ويرى بهلولي أنّ الأفضل إيجاز هذه القوانين في قانون العقوبات وبالتالي نجنّب أنفسنا ترسانة قانونية، فكثرة النصوص أمر غير جيد ولا يساعد القاضي في تكييف القضية عكس وجود مادة واحدة يرتكز عليها القاضي حتى وإن كانت هذه النصوص في قانون العقوبات حبذا لو قدمت مادة واحدة ونضمنها حالات يشترك فيها جميع موظفو الدولة والموظفون العموميون وبعدها نعدد الحالات في المكررات 1و2و3 … دون ذكر القطاع لأنّ صور الاعتداء نفسها تقع على جميع المهنيين..
الهادي سعدي: الإفراط في الحماية قد يؤدي إلى تعسف وعداوات
يرى الأستاذ الجامعي والباحث في علم الاجتماع، بأنّ ما بلغه المجتمع الجزائري من عنف وعدوانية هو نتيجة تراكمات وتحولات ساهمت فيها عوامل اقتصادية وسياسية وتكنولوجية أهمها تدني الأزمة المالية والحراك ومواقع التواصل الاجتماعي.
وقال حنطابلي: “أظن أنّ الأمور أصبحت أكثر تعقيدا حيث تداخلت المهام وكثرت الاختصاصات وظهرت مواقع التواصل الاجتماعي التي تتداول كل شيء، فالتجاوزات أصبحت مكشوفة وكل المهام تحت الأعين.. الناس ترى وتحكم وتقيّم..”.
وأردف: “مواقع التواصل منحت المواطن فرصة المقارنة بين ما هو موجود في بلاده وبين ما هو موجود في دول أخرى وهذا ما يجعله أكثر تطلّباّ، خاصة وأنّ الخدمة المقدمة لا ترقى إلى المستوى المطلوب.. الترسانة القانونية لم تتغير والمقابل المادي لم يتغير والتكوين أيضا لم يرتق إلى مستوى المتطلبات مقابل سوق يكبر ويتعدد ويتنوع.”
ويرى سعدي بأنّ “اللجوء إلى آليات الحماية القانونية الخاصة في كل قطاع يعود بالأساس إلى أنّ المادة القانونية عامة ولم تخصص وفق طبيعة الاعتداءات التي تطوّرت كثيرا كما أنّ الحماية ليست قانونية فقط وإنما حماية قبلية وتوفر وسائل ردع لتجنب الوصول الى الاعتداء بمعنى ترهيب قبل الإقدام على الفعل”.
وساهمت التراكمات التي عاشها الجزائري في اختلال المنظومة القيمية فمنذ الحراك حسب الهادي سعدي وسقف المطالب يرتفع خاصة مع تجربة الفساد التي عشناها والتي أدخلت مسؤولين سامين في الدولة إلى السجن، كما أنّ انهيار المنظومة القيمية في المجتمع هو نتيجة للأزمة الاقتصادية التي يعيشها المواطن، التي أدت إلى طغيان الماديات في كل القطاعات ولم يعد الناس يحملون نفس الصورة عن الإمام والطبيب والمعلم والإعلامي والأستاذ الجامعي، الذين اهتزت صورتهم في ذهن الناس بسبب غلاء المعيشة وصراع الأرزاق ما جعل الإنسان يعيش تحت الضغط والحكم على الأشياء لا يكون صحيحا، خاصة أن المواطن لا يجد الخدمة المأمولة المجانية في القطاع العام، إلا بعد أن يسدد ثمنها للطبيب والمعلم في القطاع الخاص، فأصبح يشعر بأنّ الإمام والأستاذ والطبيب تجار..
ووضح أكثر: “نقول إنّ الطب مجاني، لكن الواقع والحقيقة أن كل ما يتعلق بالقطاع الصحي يدفع المريض ثمنه.. التعليم أيضا نقول إنه مجاني ومضمون في المدارس العمومية، لكن للأسف، الولي يضطر إلى الدروس الخصوصية لرفع مستوى أبنائه، وهو ما يستنزف جيبه.. الإمام أحيانا لا يتدخل في مشاكل الحي ويسير بعقلية تخطي راسي..”
وتساءل المختص: “أين هو الطبيب والمعلم والإمام الذي كان في وقت سابق لكي نتحدث عن المنظومة القيمية القديمة، هذا لا يطعن في هذه الفئات، لكنّ الأزمة اقتصادية جعلت الإنسان يبحث عن مصلحته وهذه المصلحة ضغطت على كل القطاعات وأصبح كل واحد يحاول تحقيق مدخوله من خلال الخبرة التي يكتسبها ما يؤدي إلى صراع الأرزاق والمداخيل، وبالتالي يتأكد المواطن بأن الجميع يبحث عن مصلحته فتتبخر القيمة التي كان يمنحها لهؤلاء النخبة.”
ولفت المتحدث الانتباه إلى أنّ “الإفراط في قوانين الحماية قد يؤدي إلى تعسف من قبل المستفيدين منها، وهذا ما قد يخلق في المجتمع ضغائن وعداوات وصراعات وقد يزيد من العدوانية الموجودة حاليا الحماية الكبيرة تحدث نتائج عكسية”.
ودعا المختص الاجتماعي إلى ضرورة إعداد دراسة اجتماعية عن الأثر السوسيولوجي والنفسي للحراك على الجزائريين الذي من أهم انعكاساته فقدان الثقة في الآخر وفي كافة الخطابات، فالآثار خطيرة وكبيرة.
وقال حنطابلي: “يجب أن نستعيد الثقة في الخطابات بجميع أشكالها الإعلامية والتوعوية والسياسية والمسجدية ففقدان الثقة جعل الجميع يبحث عن حماية نفسه ويمارس الأنانية الاجتماعية، فعندما نفقد الثقة في الخطابات نفقد الثقة في منتج الخطاب ومن يلقيه وهم ركيزة أي مجتمع ومعروفون ويعدون على الأصابع: السياسي والمعلم والإمام والإعلامي.
بن حليمة: نتجه نحو مجتمع بدائي بسلوك مرضي
من جانبه أكّد الدكتور بن حليمة مسعود اختصاصي في علم النفس العيادي وباحث في علم الاجتماع أنّ العنف عمّ فئات كثيرة من المجتمع، خاصة الشباب، مرجعا أصل الظاهرة إلى “دور الأسرة والمدرسة اللذين تفكّكا عن بعضهما البعض، فالعنف يعود بالدرجة الأولى إلى عدم تحكم الأسرة في تربية أطفالها، بل وتحرضهم أحيانا ضد طاقم الأسرة التربوي وتهدد بالتدخل في حال تعرض احدهم لابنها في المدرسة وهو ما يجعل الطفل لا يحترم المعلم والمدير ويربي فيه العدوانية منذ الطفولة وبالتالي الطفل يتهجم ويتمادى مع زملاء له ويشعر وكأنه هو الامبراطور والمسيطر”.
المدرسة أيضا لها دور، يقول بن حليمة، بسبب غياب لقاءات دورية مع الأولياء لتدارس وضعيات الأبناء ويومياتهم وما يعترض مشوارهم الدراسي وهذا ما من شأنه إيجاد تفاعلية بين الطرفين وتشارك في تربية الطفل الذي يشعر انه مراقب إيجابا وهذا أيضا ما يكوّن له شخصية سليمة بسلوكيات حضارية يستطيع من خلالها أن ينشأ مع مراحل التطور العقلي في نشأة سليمة متناسقة تعزز الإدراك والاستيعاب..
المحيط أو المجتمع المدني أيضا له دور كبير في تنامي العنف، حسب المختص النفسي، بعدم التدخل أثناء تسجيل تجاوزات من قبل بعض الأفراد الذين قد يطلقون كلاما نابيا وهو ما سيشجعهم ويجعل المنحرفين يعتقدون ان الجميع يهابهم ويتشكل لديهم شعور بالزعامة في عدم وجود من يراقبهم.
والمؤسف ان كثيرا من الأفراد في حالة تخلي وانسحاب عن تأدية الأدوار، ما جعلنا لا نستطيع التعايش بيننا ونغرق فيما نحن فيه.
وشخّص المختص الواقع الحالي بالقول “نحن في مجتمع يتجه نحو البدائية بسلوك مرضي وهذا هو التشخيص الحقيقي والجاد الذي لا يجب أن نهرب منه”.
ويرى المتحدث أنّ الفيسبوك والألعاب العدوانية وعدم مراقبة الأطفال ومحتويات الهاتف النقال، ساهمت في تعزيز العنف وتناميه، فالقدوة الآن هي في الفيسبوك لمن يفرض الزعامة والتسلط وهي قدوة تقليدية يكرر الفرد فيها كل ما يراه من دون معرفة خلفيات ما يقوم به فانتقلنا من تقليد المظهر إلى تقليد السلوك غير الصحيح وغير السوي.
وتأسّف المختص النفسي لسلوك بعض الأمهات اللواتي يرفعن للأسف شعار “الحبس للرجال” فتجدهن يقمن الأفراح لخروج أبنائهن المنحرفين من السجن اعتزازا وافتخارا دون فهم لحقيقة هذه المقولة.
عمراوي.. قانون حماية المربين بات ضرورة أكثر من أي وقت مضى
من جانبه دعا البرلماني والنقابي السابق عمراوي مسعود إلى ضرورة استرجاع السيادة والرّيادة للمنظومة التربوية ومراجعة مناهج وبرامج المحتويات الدراسية، وذلك من خلال القوانين الردعية والعمليات التربوية الأخلاقية.
وقال عمراوي للشروق “في عام 1975 وفر القانون الجزائي في المادة 76 الحماية القانونية للموظف من قبل الدولة التي تحل محله في حال تعرض لأي اعتداء، لكن للأسف بصدور القانون التوجيهي للتربية 08-04 لم نجد أثرا لهذه المادة”.
ورافع عمراوي لصالح إعداد قانون للحماية المهنية في مجال التربية نظرا للاعتداءات الكثيرة في القطاعين الصحي والتربية باعتبارهما من أكثر القطاعات التي تتعامل مع المواطنين، فالسلك الطبي تمكن من افتكاك قانون يحميه ونثمّن ذلك، معرجا في حديثه على مبادرة لم تكلل بالنجاح في 2022 من قبل مجموعة برلمانية حاولت جمع التوقيعات لإصدار قانون لحماية المربي.
وتحدّث عمراوي بمرارة عن “الاعتداءات المتكررة من قبل الأولياء الذين وصل الأمر بهم إلى جرجرة المربين إلى مخافر الشرطة وأروقة العدالة وبلغوا حدا لا يطاق من اعتداءات لفظية وبدنية داخل حرم المؤسسة من قبل بعض الأولياء ووقع ما لم يكن في الحسبان وصار التلميذ يعتدي على أساتذته وما الحادثة التي تعرضت لها الأستاذة في باتنة الا دليل على ذلك”.
وقال عمراوي نحن “نطالب بضرورة سن قانون لحماية المربي ليس من تلميذه، لأن العلاقة حميمية وهؤلاء أبناؤنا وفلذات أكبادنا، بل لإعادة هيبة المدرسة التي هدمها بعض الأولياء وقضوا على قدسية المعلم في عين التلميذ الذي ما كان ليتجرأ عليه لولا تهديدهم وتوعدهم للأطقم التربوية على مرآى الجميع”.
ويرى عمراوي ان “هذه المعاملات ضربت القدسية في الصميم، لذا فنحن أكثر من أي وقت مضى بحاجة لقانون تجريم العنف ضد المربي ومعاقبة كل من تسول له نفسه الاعتداء لفظيا أو جسديا”.
وأردف “التربية الأخلاقية والتهذيب كان يساهم في تحسين نوعية المدرسة التي فقدت رسالتها الحقيقية، خاصة عندما نعود إلى مناهج الجيل الثاني التي تكاد تكون منعدمة القيم”.
واثار المتحدث انتشار ظاهرة الإدمان واستهلاك المخدرات في الحرم المدرسي وهي ظاهرة لا تعالجها المدرسة وحدها، بل الأسرة والمجتمع المدني ومختلف الفاعلين في المجال وحتى بعض الأولياء الذين أطلقوا الحبل على الغارب للطفل فغاب الدور الرقابي لهم.