قصّة الاجتماع الذي أبعد آيت أحمد عن المنظمة الخاصة
هل كان أيت أحمد يعلم أنه سيكون في وفاته كما كان قبيل مغادرته إلى القاهرة بين 1950 و1951 “شاهدا على نفسه”؟ فمن قرأ مذكرات “مكافح” التي غطى فيها الراحل الكبير حسين أيت أحمد فترة1942 – 1952 يدرك جيدا أنه لا داعي للبحث عن شخصية الرجل خارج ما لم يقله هو عن نفسه، فقد كانت وصية دفنه في موطنه الأصلي عين الحمام امتداد لحبه للقرية “البعيدة التي تنام بين ذراعي واد في القبائل الكبرى” تلك القرية التي ظل يكن لها معزة خاصة جدا و”يحز في نفسه أن يستحضر منها طفولته الأولى التي كانت وما تزال مركز كونه”.
في هذه المذكرات يقدم لنا حسين أيت أحمد نفسه بشفافية ووضوح ويشرح ظروف نشأته القاسية مثل أطفال تلك المرحلة في سنه، حيث كان جده أحد أقطاب الصوفية والزاوية الرحمانية التي قاومت الاستعمار بشراسة، في هذا الجو نشأ ذاك الذي سيصير ثائرا في المستقبل جو” ذلك الإسلام وذلك التصوف الروحي يناشد فينا الأحسن، أي الوجدان الفردي، وما يرافق ذلك من الحث على روح المسؤولية والتضامن الاجتماعي، وفوق ذلك روح التواضع “.
في هذه المذكرات التي صدرت في طبعتين الفرنسية والعربية بترجمة الصحفي القدير سعيد جعفر وبمقدمة لسعد جبار قبل خمس سنوات من الآن يعود الدا الحسين مثل نهر إلى نبعه الأصلي، حيث تمثل الثقافة البربرية في رأيه “ذلك البحث عن المطلق، عن المساواة والتقدم في المجالين الروحي والفكري، “أعتقد أن التصوف أكبر من أن يكون مجرد آليات دفاعية، إنه احتجاج ورفض تجفيف الحيوية الاجتماعية والروحية للمجموعة، “يتوقف ثائر القرن بالتفصيل في هذه المذكرات عند خلفيته الاجتماعية التي لعبت أثرا كبيرا في تكوينه بما في ذلك الفلكلور القبائلي” كان هذا الفلكلور بالمفهوم الحقيقي للكلمة يمثل القيم الثقافية، وبفضلها لم أدخل مغمض العينين لعالم الأيديولوجيا”.
مبكرا بدأ الوعي بالمرحلة لدى الطفل فقد “عجلت الحرب برفع مستوى الوعي لديه بشكل أساسي، وكان قبلها يتكون بصورة بطيئة، فالتجنيد والدعوة إلى التضحية المطلقة يطرحان بشكل قوي أسئلة أساسية، إذ أصبح لا يكفي أن نسأل عن “كيف نعيش” بل أصبح من الضروري معرفة “لماذا نموت” أي بصورة أخرى
“لماذا نعيش”؟ .
لماذا نعيش؟ السؤال الذي قضى الزعيم الراحل حياته في محاولة الإجابة عنه والنضال من أجل تحقيق تلك الإجابة.
تعود جزء من صرامة أيت أحمد إلى تكوينه الذي جمع بين ثقافته المحلية التي كان فيها لجده المرابط وانضباط والده نصيب كبير فيها والمدرسة الفرنسية التي فتحت عينيه على التفاوت الطبقي بين أبناء المعمرين وأبناء الانديجان فكان دائما “المشجع على البحث على التفكير وتحبيذ الجهد والمسؤولية وانتزاع المواطن من الكسل والسهولة واللامبالاة”.
يضعنا صاحب المذكرات في السياق الفكري والاجتماعي الذي طبع نضال الشعب وتبلو الحركة الوطنية في أربعينات القرن الماضي”، لم يكن للحزب الشيوعي دور فيه أيضا، وهو الذي كان ينتهج خطابا انتهازيا…كما لم يكن لجمعية العلماء دور فيه، حيث فرضت مسافة بينها وبين الحركة الشعبية، فالتيار الوحيد الذي تمكن من إنضاج الوعي الراديكالي للثورة هو الإسلام الشعبي، ذلك الإيمان، إيمان البسطاء الذي تبنى عدد من القيم الثقافية والأحداث الحضارية التي أتته من الخارج.”
عقدة الجهوية و”المؤامرة البربرية”… الأخطاء القاتلة
عقدة الجهوية التي عانت منها منطقة القبائل والقطيعة بينها وبين النظام بعد الاستقلال، كان لها امتداد في الحركة الوطنية في زمن حزب الشعب، حيث يذكر أيت أحمد في مذكراته أن “العلاقة بين حزب الشعب والقبائل عرفت توترا، ولم يكن ذلك نتاج أخطاء استراتيجية وسياسية فحسب، بل كانت هناك أخطاء بسيكولوجية أيضا، كانت القرارات الأحادية وانعدام التواصل الدائم بين القيادة والقاعدة، وانعدام المعلومات والتوضيحات تتفاقم نتائجها سلبيا بفعل البعد الجغرافي”.
يذكر بعض الأحداث ذات الدلالة: أولها كان “رفض القيادة السياسية الموافقة على قيامنا بعملية التوغل السياسي في منطقة القبائل الصغرى وهيكلتها، فمن المعروف أن تسمية القبائل الكبرى أو القبائل الصغرى تصنيف اعتباطي ابتكرته الإدارة الاستعمارية، بهدف محاولة التفريق بين سكان حافتي جبال جرجرة.” وذكر أيت أحمد التقرير الذي رفعه قادة المنطقة لقيادة الحزب بالعاصمة في أكتوبر 1945، مستندا إلى المكنونات الاجتماعية، وخاصة دور الزوايا في إرساء الروابط بين مختلف المناطق المذكورة، ولكن قيادة العاصمة رفضت “وكان التبرير المقدم من طرف القيادة بصفة غير رسمية بل بصفة سرية أن هناك تخوف من ظهور جهوية قبائلية، وهذا برغم من أننا كنا قد أوضحنا أنه بعد أن يتم الانتهاء من هيكلة “جهاز القبائل الصغرى التي كانت تابعة حسب تنظيم الحزب لقسنطينة، سنجعله تحت تصرف العاصمة…جو الشك والريبة اتجاه منطقة القبائل تمثل في رفض طلبات رفعها مجلس المنطقة لتزويده ببعض التجهيزات، كآلات الرقن والنسخ لاستخدامها في ترسيخ أدبيات الحزب في عين المكان، بدل المجازفة، فقد كان رجال الاتصال يخاطرون كثيرا بنقل المناشير في حقائب وأكياس من الجزائر نحو الداخل، وكان الخطر قويا بسبب وجود نقاط تفتيش “مرة أخرى قوبل الطلب بالرفض…
يفصل آيت أحمد في هذه المذكرات في أسباب توتر العلاقات بين قيادة حزب الشعب في العاصمة، وبين مناضلي منطقة القبائل، خاصة عندما أبلغهم المبعوث الخاص لحزب الشعب أن القيادة قررت الاعتراف بهم وكأنهم كانوا “أبناء غير شرعيين”.
اللقاء الأول مع مصالي.. الأسطورة تنهار
في المذكرات يعود الدا الحسين إلى لقائه الأول بزعيم حزب الشعب مصالي الحاج فيقول”فور وصولي تم إدخالي على “الزعيم الكبير”، كما نلقبه آنذاك، كانت تلك المرة الأولى التي أراه فيها عن قرب وأتكلم معه، كنت بصدد التحدث مع أسطورة، ولكنني كنت محصنا من جاذبيته الكارزماتية…ها أنا أمام الأسطورة، ذلك الذي يبدو منزها عن الخطأ وفوق الأمور الدنيا، وحاول بنبرة أبوية طمأنتي وإقناعي….وكان بديهيا أن الأوضاع الجزائرية لم يكن لها وزن في قرار مصالي الحاج، فهو لا يملك نظرة منسجمة حول المستقبل السياسي للبلد والحزب”.
يقف آيت أحمد أيضا عند الخلافات التي سادت قرار مشاركة حزب الشعب في الانتخابات التشريعية، وكذا ظروف وموعد تحديد اجتماع الحزب، فيقول”توجهت مع بناي وأيت مدري و أوصديق إلى العاصمة لاستلام الجواب الموعود بخصوص استدعاء مؤتمر الحزب، فوجدنا قادتنا منغمسين في مهامهم الجديدة…فبعد عودة مصالي الحاج تكون المكتب السياسي المُشكَل بطريقة اعتباطية حول نواة من القادة المعروفين.”
كانت هناك مجموعاتان تتنازعان القيادة على شاكلة العصب التقليدية، فلم تعد المسألة بين صف “أصحاب الفوق” وصف أصحاب التحت”بل كانت بين أصحاب الدوزيام” الدائرة الثانية أي القصبة التي يقودها عسلة، وأصحاب بلكور، الذين كانوا يتبعون الدكتور الأمين دباغين، وكان الخلاف بينهم لا يتربط بأمور طوبغرافية أو جغرافية… أما نحن فكنا نرفض أن نتخذ موقفا من هذا الخصام لأن همنا الأساسي كان تمرير فكرة استدعاء مؤتمر ديمقراطي للحزب…”
ويذكر أيت أحمد بالجو الذي ساد انعقاد ندوة إطارات الحزب، بعد أن عارض كلا الطرفين المتصارعين في حزب الشعب انعقاد مؤتمر الحزب، ومن بين من حضر ندوة الإطارات كما ذكرهم، يوسف بن خدة، سعد دحلب، الطيب بولحروف والدكتور شوقي مصطفاي والهواري سويح، وفي المقابل لم يحضر بوضياف وأحمد بن بلة، أعمال الندوة لم تستغرق أكثر من سهرة واحدة
“ألقيت فيها خطب، لكن قيادة منطقة القبائل التي قالت بصوت مرتفع ما كان البعض يتحدث عنه خفية رفضت” رفع التقارير ومقاطعة تعيين ممثليها في المكتب الوطني، طالما لم ينعقد مؤتمر الحزب، الأمر الذي أدى إلى وصفهم بعدم الانضباط، استجاب مصالي لاستدعاء المؤتمر في فبراير 1949، انعقد في بلكور بحضور 120 مندوب، ويذكر صاحب المذكرات الجدل الذي دار حول مؤتمر حزب الشعب ومعارضته لإعطاء الصلاحيات الكاملة لشخص واحد، وقد احتفظ مصالي بضغينة لأيت أحمد لأنه كان مثل الكثيرين يرى أنه كان “رجل المرحلة التاريخية لكنه لن يكون رجل المرحلة الثورية”
وتوقف صاحب المذكرات أيضا عند تقديم أحمد محساس لمجلس التأديب كان بسبب رفض تعيينه بمنطقة الصحراء في المنظمة الخاصة، وليس كما قال بأنه عارض توحيد القبائل الكبرى والصغرى في منطقة واحدة”.
أيت أحمد في “مذكرات مكافح” يعود بالتفصيل إلى ما عرف بالمؤامرة البربرية” التي زعزعت الحركة الوطنية، وما تزال إلى يومنا تنغص طمأنينة المجتمع، وتعود هذه الأزمة كما سردها أيت أحمد إلى كون علي يحيى الذي أوفد لاستكمال دراسة الحقوق في باريس أشهر راية الانشقاق، حيث قام بمبادرة تمثلت في جعل اللجنة الفيدرالية تصوّت على قرار يدافع عن أطروحات الجزائر الجزائرية، ويدين فكرة الجزائر العربية الإسلامية وتمت المصادقة عليه بـ 28 صوتا من مجموع 32، وأدى ذلك إلى حملة شنتها فيدرالية فرنسا لحزب الشعب ضد التوجه العربي الإسلامي، ومنذ تلك الفترة ألصقت بالمنطقة تهمة “البربيريزم”، وكان رد الحزب إرسال جماعة من الكوموندوس، واسترجاع مقرات الحزب في مدن فرنسية، أما آيت أحمد فكان مقتنعا أن المجتمع الجزائري إبان الاستعمار لم يكن مهيأ بعد لمثل هذا النقاش، فعمل هو ورفاقه على تطويق الأزمة التي كانت للأسف مثل النار قد بدأت تأتي على هياكل القواعد النضالية، في هذا الإطار أرسل السي واعلي إلى مرسيليا من قبل الحزب لاحتواء الأمر، فاعتقل من طرف الشرطة، وهو ما اعتبره الحزب دليل على أن علي يحىى كان مسير من قبل مصالح الشرطة، وردت الجماعة الأخرى متهمة القيادة بالإبلاغ عنه لأن اعتقاله يخدم العروبيين، ومما غذى جو الريبة والشك هو تساقط المسؤولين في منطقة القبائل الواحد تلوى الآخر في يد الشرطة الفرنسية، “أزمة 1949 هوت بالحس الوطني نحو المنحى الخفي للانفجار الداخلي”، السعي لتطويق الأزمة كان جاريا يقول أيت أحمد، لكن هامش المناورة كان قد تضاءل بعدما حددت الشرطة هويته على إثر عملية بريد وهران، لكنها كلفته الإبعاد من المنظمة الخاصة ليعوضه ببن بلة الذي عوض أيضا بودا على رأس التنظيم السياسي، هذا ما دفع أيت مدري للانسحاب من تنظيم منطقة القبائل ودخل في ملاسنات مع بن بلة، قائلا له “لم أقبل أن أدخل في الكفاح ضد الاستعمار من أجل أن أقبل دكتاتوريتكم، أعلم أن الحزب اتصل ببلقاسم كريم إنكم تظنون أنه من الدهاء تقسيم وتكسير التنظيم في القبائل، أنا لست مستعدا لتحمل صراع بين الإخوة، فرد عليه بن بلة أنت شخص تربى عند الآباء البيض” وهي العبارة التي توحي بحكم مسبق وأثارت استياء أيت أحمد و رفقائه.
“تلك هي الحجج التي استعملتها القيادة السياسية في حملة دعائية تطلب فيها فصل مسؤولي منطقة القبائل المسجونين، وولدت المبالغة مبالغة مضادة، حيث أن كثرا من مناضلي القبائل دخلوا هوس معاداة العرب بل حتى معاداة الإسلام”.
يواصل آيت أحمد شهادته بشأن الأزمة البربرية ويقف عند اجتماعه مع مصالي الحاج وأعضاء المكتب السياسي للحزب الذي دام 3 ساعات، وخصص فقط للأزمة البربرية، وطلب فيه من أيت أحمد إدانة رفقائه لكنه رفض قائلا “إذا لم أقم أنا ورفاقي بطرح المطلب الثقافي واللغوية البربرية حتى لا نقوض المسار الثوري، فهذا لأننا نقبل أن تكون الجزائرعربية بدل أن تكون فرنسية ولاحظت في المقابل أن هناك من يفصل الجزائر الفرنسية على الجزائر البربرية”، فرد عليه لحول “كنا نود سماعك وها قد سمعناك”.