-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كرة‭ ‬الثلج‭ ‬

الشروق أونلاين
  • 6615
  • 0
كرة‭ ‬الثلج‭ ‬

أغلب الاحتجاجات الاجتماعية التي تعيشها البلاد منذ عقود من الزمن والتي تطورت اليوم بشكل مرعب وأصبحت لا تقل عن 300 احتجاج يوميا على المستوى الوطني، تدور حول السكن والعمل، حول رفض العراء والظروف السكنية اللاإنسانية لقطاعات عريضة وطويلة من المجتمع، وحول رفض البطالة‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬بالشباب‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬الانتحار‭ ‬حرقا‭ ‬بدل‭ ‬الموت‭ ‬البطيء‭ ‬والانتظار‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬وتحت‭ ‬الأسوار‭.‬

“البناء والسكن” و”الشغل” هما القطاعان اللذان يرتكز عليهما الوجود الاقتصادي لأي بلد من البلدان في العالم، ولكنهما عندنا في الجزائر مصبا لفشل النظام والمسؤولين والمؤسسات جميعا في التصور والتخطيط والإنجاز والعجز عن مواجهة أبسط حاجيات المجتمع ومتطلبات الحياة البسيطة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتوفر‭ ‬الخزينة‭ ‬العامة‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬‮”‬قارونية‮”‬‭ ‬تتجاوز‭ ‬المائتي‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬عائدات‭ ‬بيع‭ ‬المحروقات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭.‬
وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أزمة‭ ‬الشغل‭ ‬تجد‭ ‬بعض‭ ‬تفسيراتها‭ ‬في‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬ندرة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الناجمة‭ ‬بدورها‭ ‬عن‭ ‬البيروقراطية‭ ‬والعراقيل‭ ‬السياسية‭ ‬المتعمدة من قبل الكثير من المسؤولين النافذين واعتماد المحسوبية والانتقاء في التشغيل في القطاع العام والخاص على السواء، فإن أزمة السكن تعود في النسبة الغالبة إلى فساد أخطر وأعمق هو ذلك المتفشي في مفاصل الدولة وأجهزتها المختلفة من القمة إلى القاعدة، ومن الإنجاز إلى التوزيع‭..‬
وبالنسبة‭ ‬للإنجاز‭ ‬فإن‭ ‬العراقيل‭ ‬ومحاولات‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬الاختلال‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‮ ‬تبدأ‮ ‬من‭ ‬المسؤولين الكبار الذين استحوذوا على العقارات السكنية والتجارية في إطار القانون الذي سنوه في بداية ثمانينيات القرن الماضي للتنازل عن أملاك الدولة بأسعار بخسة، مما يجعله اليوم محل مضاربات واسعة النطاق وبآلاف الملايير من طرف أصحابه الذين يعملون بكل الوسائل لعرقلة كل برامج البناء للمحافظة على استمرار هذه المضاربة وما تعود به من أموال طائلة، وتمتد هذه العراقيل والعجز، دون أن تنتهي، إلى المسؤولين على المستوى القاعدي أو المحلي حيث يتزايد الفساد وتتعدد أشكاله على الإنجاز والتوزيع، ومنها ما يمارس على مستوى صفقات إسناد عمليات الإنجاز للمقاولين والتي تتم خارج إطار القوانين التي تنظم العملية بين المسؤولين وأصحاب المقاولات بما يخدم مصالح هؤلاء وأولئك عبر تبادل الرشاوى وحتى خلق مقاولات من العدم تدور في فلك هؤلاء المسؤولين، منتخبين كانوا أم معينين، وتصب في حساباتهم، ولا تخضع لعقوبات التأخر عن مواعيد الإنجاز التي كانت سارية في سنوات سابقة، كما تثبت ذلك عشرات القضايا المطروحة على المحاكم أو الموجودة رهن التحقيقات في مختلف أنحاء الوطن، وهو الوضع الذي انجر عنه هذا التأخر المهول وهذه الرداءة  في الانجاز والارتفاع في التكاليف لدى‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬من‭ ‬صينية‭ ‬وتركية‭ ‬وغيرها‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬القطاع،‮ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬بالتالي‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬والمضاربة‭ ‬وإلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأعباء‭ ‬على‭ ‬المواطن‭ ‬والدولة‭..‬
والمشكلة أن هذه الأوضاع مرشحة للاستمرار والتفاقم في ظل استمرار السباق المحموم من أجل المصالح على أعلى المستويات في هذا القطاع، مما يجعل الاحتجاجات والقلاقل المتصلة به تتفاقم بدورها وتكبر كما  تكبر كرة الثلج عند تدحرجها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!