لماذا التلاعب بآمال المواطنين؟
في الوقت الذي يعالج فيه سادة القوم أنفسهم متى شاءوا في مستشفيات باريس وغيرها وعلى حساب الخزينة العمومية إلى آخر رمق في حياتهم، يتمّ التلاعبُ بمشاعر وأعصاب المواطنين وحالتهم النفسية داخل الوطن إلى أقصى الدرجات حتى إن المرء يتساءل: وما الذي يدفع إلى ذلك؟ وما هو مبرِّر ذلك؟
قبل أشهر كان الحديث عن قرب تصنيع مُكمِّلٍ غذائي لمرضى السكري، ويُؤجّل موعدُ الشروع في بيعه يوما بعد يوم، ويُعلِّق المرضى آمالا على ذلك في أن يكون سببا في الشفاء.. ويُسَمَّى هذا المُكَمِّل الغذائي “رحمة ربي”، ويُصَنَّع بطريقة لا أعتقد أنها سرية أو غير قانونية، ويُنتَج ويُشرَع في بيعه… وفجأة، تثور ضِدَّه حملة غير مسبوقة، ويُسحَب من السوق، وتتبادل وزارتا الصحة والتجارة التهم، ويجد المواطن نفسه في قلب معركةٍ لم يكن ليسمع بها لو كانت الأمور تجري بالطريقة التي كان ينبغي أن تجري بها؟
أليس في ذلك دليلٌ آخر على أن هناك بالفعل تسيُّب وإهمالا في إدارة الشأن العام، يكاد يكون شاملا لكافة القطاعات، وفي كافة المستويات؟ ألا يتطلب مِنّا هذا وقفة عميقة، ليس فقط لتقييم التعامل مع مُكمِّل غذائي يُمكِن التحكُّم فيه، بل لتقييم كل أشكال التلاعب والتردُّد وسوء التقدير في كافة المجالات، من التعليم إلى الصحة إلى التجارة إلى الخيارات الاقتصادية والسياسية المختلفة؟ ألم نعد نعيش حالة من التردُّد الشاملة التي دون شك تدلُّ على غياب رؤية واضحة لدى الدولة يمكنها أن تَحكُم مسارها المستقبلي؟ أليس في ذلك دليلٌ على وجود خلل على أعلى مستوى؟
يبدو لي أن الأمر كذلك بالفعل، وأنه علينا- بدل أن نستمر في سياسات رد الفعل في كافة القطاعات- أن نتعلم كيف نستبق الأحداث، وكيف نكون عقلانيين في قرارتنا ومنهجيين في تصرفاتنا، وقبل ذلك كيف نضع مصلحة المواطن ومشاعره في قمة أولوياتنا واهتماماتنا…
هل أدرك الذين لم يُحسِنوا التعامل مع المُكمِّل الغذائي الموجَّه إلى مرضى السكري كم هي انعكاسات سوء تقديرهم وتصرُّفهم على معنويات المواطنين وأحلامهم؟ هل علِموا كم ساهموا في تضييق مساحة الأمل على الناس في الوقت الذي نحن في أمسِّ الحاجة إلى كل شبر فيها؟ ألم يخرج الجميع من هذه العملية خاسرا: الطبيب الشاب الذي لم تعرف دولته كيف ترعاه، والمريض الذي تم التلاعب بمشاعره لفترة طويلة، ومؤسسات الدولة التي أثبتت عدم انسجام مواقفها، وقبل ذلك “رحمة ربي” التي أصبحت محل سؤال؟
هلا تركتم رحمة ربي تَسَع كل شيء، بدل تضييقها على الناس؟