-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا تأخَّرت الجزائر في قطع الأرحام المسمومة؟

لماذا تأخَّرت الجزائر في قطع الأرحام المسمومة؟

من أكثر التعليقات المثيرة للغرابة، والواردة على لسان الأشقاء المغاربة، بخصوص فرض الجزائر التأشيرة على حامل الجواز المغربي، قبل السماح بدخول التراب الوطني، تلك الدعاوى المضللة والمتهمة للجارة الكبرى بـ”قطع أرحامها الغربية”.
إن كل عاقل، وأوّلهم أهل المغرب الشقيق المنتفضون منذ عام كامل ضدّ خيانة ملكهم بوضع يده في يد الصهيونية، يدرك تماما أنّ مثل تلك الادّعاءات المتهافتة لا تصمد أمام براهين الواقع الساطع بالحقائق الجليّة، لأنّ الجزائر يؤلمها جدا أن تضطرّ لمعاملة الأخ القريب معاملة الغريب، عندما يغدر بها ويتآمر عليها بالتحالف مع عدو الأمة.
لو كان في نية السلطات الجزائرية “قطع الأرحام”، كما يزعمون، لعمدت من البداية إلى إلزامية التأشيرة، للتمكّن من عبور حدودها الوطنية، ولن يعترض أحد على قرارها حينذاك، باعتباره سياديّا من حيث المبدأ، كما أن أغلب الدول العربية تفرضه على باقي الأشقاء، باستثناء التكتلات الإقليمية، لكن الجزائر لم تفعل ذلك ولم تفكر فيه من الأساس، رغم أن الأزمة بلغت مع جار السوء إلى مستوى القطيعة الدبلوماسية الكاملة.
لقد حرصت الجزائر، بمنتهى الصدق القومي والأخلاقي والوضوح السياسي، على التفرقة بين الشعب المغربي الشقيق وبين النظام المخزني المتواطئ ضدها منذ ستينيّات القرن العشرين، ولا تزال نزعته العدوانية في منحى تصاعدي من عقد إلى آخر، منتهكا كل مقتضيات الأخوّة وحسن الجوار، حتّى بلغت ذروتها بجلب الكيان الصهيوني للمنطقة، ضمن مخطط ممنهج للمساس باستقرار بلادنا وأمنها القومي وتقويض سيادتها الوطنية، في إطار المساومة على مواقفها الخارجية تجاه القضيتين العادلتين، الفلسطينية والصحراوية.
لا نريد العودة إلى استعراض مبررات لجوء الجزائر القهري إلى إعلان القطيعة الدبلوماسية الكاملة مع المغرب، لكنها رغم خطورتها البالغة، لم تدفع بالسلطات العليا في بلادنا إلى إدراج إجبارية التأشيرة ضمن القرار الأولي قبل 3 سنوات، بل ظلّت حريصة طيلة هذه الفترة على التمسّك بقيم التضامن الإنساني، حتى لو كانت مفقودة لدى الطرف الآخر، إلى أن طفح كيل الأخوّة المهدورة بخناجر التآمر والغدر.
مقابل ذلك، سعى النظام المغربي بكل دناءة -ولا يُستغرب الشرّ من معدنه- إلى استغلال هذه الروح الأخويّة المتسامية من الجزائريين على الجراح، في أحلك الظروف مرارة وأسى، فراح المخزن يواصل مخططه التآمري ضد الجزائر، عن طريق شبكات الجوسسة الصهيونية، ناهيك عن الانخراط في أعمال التهريب والاتجار بالبشر والمخدرات والهجرة غير الشرعيّة.
عندما نحتكم إلى قواعد الأمن القومي البحتة، بعيدا عن العواطف وإدارة علاقات الدول بمنطق النيّات الحسنة، فإنه كان ينبغي على الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية منذ تطبيع المغرب مع الكيان الصهيوني في ديسمبر 2020، وما يتبعه من إجراءات وقائية صارمة، وفي المقدمة منها فرض التأشيرة على حاملي الجنسية المغربية، لأنّ تلك الخطوة التطبيعية كانت موجّهة بالأساس ضد مصالح بلادنا، والدليل حزمة الاتفاقات الأمنية والعسكرية والاستخبارية التي جرى توقيعها في ظرف قياسي بين دولتي الاحتلال، بل الأخطر من ذلك إقامة قاعدة عسكرية بإشراف صهيوني مباشر في إقليم جرادة الحدودي مع الجزائر، وفق معلومات مؤكدة غير قابلة للشك.
هل مطلوب من الجزائر في مثل هذه الظروف ترك حدودها مفتوحة أمام كل المندسّين والجواسيس والمخرّبين المجنّدين للدخول بكل حرية إلى ترابها وزعزعة استقرارها، بذريعة القيم الأخوية وصلة الأرحام الملغّمة، أم صار واجبا عليها حماية نفسها، بفرض الرقابة المسبقة والتحقق من هوية الأشخاص الراغبين في زيارتها تحت أي عنوان كان؟
الأكيد أن كل الدول السيّدة ترفع أمنها القومي، عند مواجهة المخاطر الفعلية المحدقة بها، فوق كل الاعتبارات، والجزائر لن تكون استثناء في اليقظة الأمنية، بحيث تطغى عليها السذاجة السياسيّة، حتى يفتك بها عدوّ صهيوني مبين، عن طريق أزلامه الوظيفية في الإقليم المغاربي.
لذلك، فإن إن حديث الأبواق المخزنيّة عن “قطع الأرحام” باطل واقعا وعقلا وبكل المقاييس، لأنها غدت، ويا أسفاه، مشدودة بمصل صهيوني مسموم، فلا يمكن وصلها بالطرف الآخر، تفاديا للإصابة بالداء القاتل، مثلما يمنع الأطباء نقل الدم من الأشخاص المصابين بمرض فقدان المناعة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!