لماذا لا تجرِّم الدولة الدروس الخصوصيّة؟
في أقل من شهر واحد، خرج وزير التربية الوطنية عبد الحكيم بلعابد، عبر منبر البرلمان، ليهاجم، بكل روح مسؤولية، ممارسات الدروس الخصوصية الموجَّهة بطرق عشوائية وحتى منظَّمة للتلاميذ.
وفي آخر تدخُّل عبر الغرفة السفلى للبرلمان، أدان وزير القطاع بكل وضوح، ومن دون لفّ ولا دوران، تقديم دروس الدعم لتلاميذ المدارس خارج مؤسساتهم التعليمية، معتبرا أنّها نشاط مخالف للقانون، ومن ثمة فإنّ مواردها المالية “سوداء”.
والأخطر هو تحذير المسؤول الأول عن التربية من السلبيات الكارثيّة لمسمّى “الدعم” على تحصيل المتمدرسين، عكس ما يعتقده أولياء الأمور من أنها الطريق المثلى لنجاح أبنائهم بل تفوُّقهم الدراسي.
وبشيء من التفصيل، أوضح بلعابد موقفه البيداغوجي، بصفته وزيرا مسؤولا عن التعليم، أنّ أولياء الأمور يجهلون بأن الدروس الخصوصية تنطوي على الكثير من الجوانب السلبية، وفي مقدمتها “غرس روح الاتكالية باعتماد المتعلم على الغير، ما يحدّ من قدرته على البحث والمشاركة بنفسه في بناء تعلُّماته، باعتبارها مجموعة من المعارف والمهارات والسلوكيات التي ينبغي له اكتسابها لتحقيق النجاح والانتقال إلى مستويات عليا”.
وأقرّ الوزير أمام ممثلي الشعب أن “نشاط الدروس الخصوصية أمرٌ مخالف لقوانين الجمهورية، ويوفر لأصحابه مداخيل غير مصرح بها، فضلا عن كونه يُمارَس في محلات عشوائية وفضاءات غير مناسبة ولا مراقَبة ولا آمنة”.
ونظيف إلى اعترافات الوزير أنّ ذلك هو ما يؤدي إلى خلوّ المدارس على عروشها خلال الفصل الأخير، خاصة بالنسبة لأقسام المستويات النهائية، بسبب عجز التلاميذ عن التوفيق بدنيّا ونفسيّا وذهنيّا بين الدراسة النظامية و”الدروس السوداء” داخل المستودعات، ما يدفعهم إلى تفضيل الثانية على الأولى، وهذه وصمة عار قاصمة لظهر المدرسة الوطنية.
لعلّ ذلك هو ما دفع بالوزير للإعراب، وبكل مرارة، عن استيائه من تلك “الممارسات المسيئة إلى أخلاقيات مهنة التعليم ونبل رسالتها، وللمبادئ التي تسيِّر العلاقة التربوية البناءة بين المعلم والمتعلم”، على حدّ تعبيره.
إذا كان من الواجب الثناء على تصريح الوزير بخصوص ظاهرة “الدروس اللصوصية”، وفق توصيف أستاذنا المربّي الكبير، نوّار لمباركية، لأنه على الأقل أدانها علانيّة، ولم يتحمّل وزرها بالتبرير أو السكوت، ولا نعتقد أن قطاعه يتحمّلها بمفرده، لكن هل يكفي إقرار مسؤول التربية بمخاطر دروس الدعم والتبرّؤ من جريمتها؟
نظنّ أولًا أن بروز الظاهرة خلال السنوات الأخيرة، هو قبل كل شيء طعنٌ غائر في مصداقية القطاع العمومي ومجانية التعليم الذي تفاخرنا به منذ 1962، وإساءة جارحة لكل جهود الدولة الملموسة ماديًّا في الارتقاء بالمنظومة التربوية في الجزائر.
ولا يمكن كذلك فصل انتشار “الدروس الموازية” عن آثار “الإصلاح التربوي” المزعوم، إذ لم يعد متاحًا لأبنائنا، إلا القلّة منهم، الانتقال بين الأطوار والمستويات من دون انخراط فيها، سواء كان الأمر موضوعيًّا أو متعلقا بقناعات اجتماعية مغلوطة، لأن النتيجة واحدة في نهاية المطاف.
ثانيًا، طالما أن هناك إجماعا بين المختصين التربويين على مخاطر هذه الدروس خارج المدرسة، وتحذيرات مباشرة من الوصاية نفسها، ولا شكّ أن موقفها مبنيٌّ على دراسة علمية بيداغوجية، فلماذا لا تتحرك الدولة لتجريمها بقوة القانون لإنهاء الأزمة المستعصية على الحلّ حتى الآن؟
صحيحٌ أن الوزارة باشرت مقاربة متعددة الأبعاد لتطويق الظاهرة قدر المستطاع في حدود إمكاناتها، وهو ما تجسّد في “مسعى توعية التلاميذ وأوليائهم بعدم إعطاء أهمية لتلك الدروس ولا تشجيعها، مقابل وضع ثقتهم في المؤسسة التعليمية”، إلى جانب “الحرص الشديد على إبقائها مفتوحة في كل وقت، لاستقبال تلاميذ أقسام الامتحانات، للاستفادة من الدعم المؤطر والمذاكرة المحروسة”، زيادة على استحداث “المعالجة البيداغوجية”، لتدارك نقائص المتعلمين، مثلما أكده بلعابد أمام أعضاء مجلس الأمة.
إن مثل هذه المبادرات الوزاريّة تبقى محمودة ومحلّ إشادة في ترقية الخدمة التعليمية العمومية، لكنها لن تتمكّن في ظل الواقع التراكمي من محاصرة الآفة التي باتت تنخر التعليم في بلادنا، لأنها ستنحرف به مستقبلاً، لا قدّر الله، عن طابعه العمومي إلى خدمة خاصة مقنَّعة، فضلا عن تكريس طبقية خطيرة في المجتمع بشكل تدريجي.
لذلك صار من الضروري التفكير في مخارج قانونية صارمة، ولمَ لا تجريم تقديم الدروس الخصوصية كيفما كانت صورتها؟ لأنّ حديث الوزير عن النشاط غير المرخّص والعوائد المالية غير الشرعيّة لأصحابه، لا يعني أنّه من الممكن بيداغوجيًّا هيكلة التعليم الموازي، ليصل التلميذ الجزائري بياض نهاره بسواد ليله، ويربط أيام الأسبوع بنهايته، متنقلًا بين حُجر الدراسة ومستودعاتها الخارجيّة، دون حقٍّ في الراحة.
إنّ صرخة وزير القطاع أمام نواب البرلمان هي في حدّ ذاتها رسالة شبه صريحة إليهم، باعتبارهم المخوّلين بالتشريع الوطني، وعليهم التقاطها عاجلا بالتحرّك والمبادرة بمشروع قانون في هذا الاتجاه، لإنقاذ المدرسة الجزائريّة.
بالموازاة، ينبغي التكفل بالأسباب الأخرى المتعلقة بالآثار السلبية للاكتظاظ المدرسي والوضع الاجتماعي للمكوّنين على المردود التربوي، مع مراجعة البرامج المثقلة بالحشو والتشعّب، بما يساهم في التخفيف من الضغط التعليمي على التلاميذ وإتاحة الفرصة أمامهم للاستفادة من الزمن الدراسي.