ليلة العشاء مع السلفيين
إذا أردنا أن نحصر التيارات والمذاهب التي تهدد الأمن الروحي والفكري والقومي من وجهة نظر المؤسسة الرسمية للدولة الجزائرية واستثنيا حركة التنصير جانبا، نجدها تتمثل بالدرجة الأولى في التيار السلفي الذي ذهب يمتد في فراغنا، ثم التيار الشيعي الذي يتراوح بين المد والجزر يليه جماعة الأحباش التكفيرية القادمة من الشام والحركة البهائية الأحمدية الخارجة عن الملة الإسلامية بإجماع العلماء والجماعات التكفيرية المتشبعة بثقافة “جاهلية القرن العشرين” والتي تلتقي منظومتها الفكرية مع الجماعات الإسلامية السياسية التي تؤمن بالعنف كوسيلة للوصول إلى الحكم ولا تبالي إذا كان ثمن ذلك أرواح تزهق ودماء تسيل، ولكن وأمام هذا العرض للطيف الديني الذي لا يدفعنا على أن نغفل للإشارة إلى دفعة “عبدة الشيطان” التي تأسست وفي تحد بائس يحتاج منا وقفة تأمل، على مقربة من قلعة المرجعية الدينية الوطنية وهي “دار الإمام” كما صرح بذلك وزير الشؤون الدينية والأوقاف نفسه!
لم ألتفت إلى الحركات الدينية الهدامة التي جاء ذكرها بنفس الاهتمام واليقظة بقدر ما توقفت وبشكل موسع ودقيق عند التيار السلفي وذلك يعود ليس بدافع امتداده الواسع الذي يحظى به في الأوساط الشعبية لبساطة خطابه الذي يريد به استمالة السواد الأعظم لصفه لغاية في نفس يعقوب، وليس كذلك، لأنه يحظى بدعم معنوي ومادي من دولة تتمتع بالبترودولار ونفوذ الإشراف والهيمنة على البقاع المقدسة، وإنما الأمر له علاقة بمناسك الحج التي أديتها منذ ثلاث سنوات خلت والتي سمحت لي بالتعرف على إخوتنا السلفيين الجزائريين المقيمين بالمملكة السعودية والذين استضافوني مشكورين ذات ليلة للعشاء في منطقة مفتوحة على الهواء بالمدينة المنورة، وعلى موقد الشواء الحجازي جرى الحديث حول أوضاع الجزائر السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، حيث تمنوا من السلطات الجزائرية تصحيح نظرتها للسلفيين وتفتح حوارا موسعا معهم على طريقة المملكة المغربية! ومن أن الجزائر لا يمكن أن يعمها الأمن والخير والرفاه إلا إذا عادت إلى منظومة السلف الصالح، ومن خلال حديثهم تستخلص من أنهم يفضلون النظام الملكي القائم على البيعة بدلا من النظام الديمقراطي الجمهوري الذي يرون أنه نتاج لفلسفة غربية لا علاقة لها بالإسلام، وهنا تيقنت بعد جدال مرير معهم حول طبيعة نظام الحكم من أن هذه الجماعة غريبة عن ديارنا والأخطر أنها تتجاهل حتى بيان أول نوفمبر الذي نص على إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية ذات سيادة ضمن المبادئ الإسلامية ولا داعي لذكر الأمور الأخرى في هذه المساحة من “خروج على النص” ونرجئ ذلك لمناسبة لاحقة إن شاء الله.