-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مؤتمر بروكسل: بين الزخم السياسي وحدود الإلزام القانوني

بقلم: عزات جمال
  • 45
  • 0
مؤتمر بروكسل: بين الزخم السياسي وحدود الإلزام القانوني

في الثاني والعشرين من أفريل 2026، انعقد مؤتمر دولي في بروكسل بمشاركة مئات البرلمانيين والناشطين وصناع القرار، في لحظة توصف بأنها من أكثر اللحظات دقة في النظام الدولي منذ سنوات. لم يكن المؤتمر حدثا بروتوكوليا، بل محاولة لإعادة إدراج القضية الفلسطينية في صلب النقاش القانوني الدولي. وقد جاء المؤتمر في سياق حرب الإبادة الممتدة على غزة والتي خلّفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، وأزمة إنسانية غير مسبوقة. هذا الواقع منح المؤتمر ثقلا يتجاوز حجمه التنظيمي.

وفق المعطيات فقد حضر أكثر من 200 شخصية سياسية وبرلمانية من نحو 30 دولة شاركت في المؤتمر، ما يعكس طابعا عابرا للحدود. ومن بين أبرز الحضور المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، والسياسي الفلسطيني مصطفى البرغوثي، إضافة إلى برلمانيين وشخصيات أوروبية وعالمية وازنة. هذا التنوع يعكس تقاطعا بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين.

يمكن فهم المؤتمر كأداة لحشد الدعم الدولي وإعادة توجيه الرأي العام خاصة الأوروبي. فقد ربط المنظمون بين المؤتمر وتحرك “أسطول الصمود” المتجه لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، في محاولة للجمع بين الخطاب والفعل. هذا الربط يعكس إدراكاً بأن التأثير لا يتحقق عبر البيانات وحدها، بل عبر خلق وقائع سياسية جديدة. كما أن توقيت المؤتمر تزامن مع تصاعد الانتقادات الجريئة داخل أوروبا، ما عزز من حضوره الإعلامي والسياسي.

قانونياً، فقد سعى المؤتمر إلى إعادة توصيف ما يجري في قطاع غزة المحاصر من انتهاكات، ضمن إطار القانون الدولي الإنساني. وتم التأكيد على أن بعض الممارسات، مثل منع المساعدات، وعمليات التجويع واستهداف المدنيين المدنيين، ترقى إلى جرائم حرب. كما جرى استحضار مبادئ مثل عدم جواز العقاب الجماعي وواجب حماية المدنيين. هذا الخطاب القانوني لم يكن مجرد توصيف، بل محاولة لتعميق مسارات المساءلة الدولية.

في هذا السياق، يبرز دور مؤسسات مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية كأدوات محتملة لتفعيل هذا الخطاب. إذ يمكن لمثل هذه المؤتمرات أن تساهم وتشجع على بناء ملفات قانونية تُستخدم لاحقاً في التقاضي الدولي. ومع ذلك، تبقى فعالية هذه الآليات مرهونة بإرادة الدول، خاصة الدول الكبرى التي تحكمها اعتبارات سياسية. وهو ما يطرح سؤالاً حول حدود ما هي حدود القانون في مواجهة السياسة؟

من جهة أخرى، فإن انعقاد المؤتمر داخل الاتحاد الأوروبي. وفي مدينة بروكسل مركز القرار الرسمي الأوروبي؛ رسالة لها دلالات بالغة الأهمية بعد احتكار الاحتلال الإسرائيلي للرواية على مدى عقود من الصراع الممتد. خاصة أن المؤتمر يأتي في ظل انقسامات واضحة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي بات هو الآخر يتضرر من هذه العلاقة التي تجلب له المزيد من الانتقادات. هذا السياق يجعل من المؤتمر انعكاسا لصراع داخلي أوروبي، وليس مجرد حدث خارجي.

إذ تشير تقارير أوروبية إلى أن هناك غضبا متزايدا من استمرار التعاون الأوروبي مع جيش الاحتلال وتقديم أشكال الدعم في حربه على المدنيين، ما يفسر زيادة المواقف السياسية الرافضة لسلوك الاحتلال الإسرائيلي، وقد برزت دول مثل إسبانيا وإيرلندا والتي تبدي مواقف أكثر نقداً مقارنة بدول أخرى. هذا الواقع يزيد من إمكانية تبني مواقف أوروبية موحدة في المدى المنظور، وهو مهم ويمكن البناء عليه للتأثير على صدور قرارات عملية من المزيد من الحكومات الأوروبية وحول العالم. وبالتالي، فإن تأثير المؤتمر يمكن أن يشكل بداية لمسار متواصل من الضغوط على الاحتلال الإسرائيلي بحيث يصبح عبئ على داعميه.

من حيث النتائج، فقد صدر عن المؤتمر ما عُرف بـ“إعلان بروكسل”، الذي دعا إلى فتح ممر بحري إنساني إلى غزة المحاصرة لتزويدها بالاحتياجات الإنسانية. كما شدد على ضرورة إنهاء الإفلات من العقاب وتفعيل المساءلة الدولية. ورغم أن الإعلان لا يحمل صفة إلزامية، إلا أنه يمثل محاولة لتوحيد خطاب قانوني–سياسي. وهو ما قد يشكل أساساً للتحركات المستقبلية.

أما أوجه الاستفادة فبتقديري، تتجلى أولاً، في بناء شبكة علاقات دولية بين البرلمانيين والنشطاء. هذه الشبكات يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط داخل البرلمانات الوطنية في كل دولة. كما أن المؤتمر يوفر منصة لتبادل الخبرات القانونية والسياسية، ويشجع المزيد من الشخصيات والمسؤولين على الانضمام واعلاء صوتهم، في وجه لوبيات الضغط والمصالح. وهو ما يعزز من قدرة الفاعلين على التأثير. إضافة للجهد التوعوي للحشد الدعم والتأثير.

ثانيا، يسهم المؤتمر في إعادة صياغة السردية الدولية حول عدالة القضية الفلسطينية ومأساة غزة المتواصلة، وإعادة تعريفها من أزمة إنسانية إلى قضية قانونية دولية. هذا التحول في الخطاب له تأثير طويل المدى على الرأي العام وصناع القرار. كما أنه يفتح المجال أمام استخدام أدوات قانونية جديدة. وهو ما يعزز من فرص المساءلة لمرتكبي الجرائم من قادة وجنود الاحتلال الإسرائيلي.

ثالثاً، يمكن النظر إلى المؤتمر كجزء من استراتيجية أوسع لتدويل القضية الفلسطينية. فبدلاً من حصرها في الإطار الإقليمي، يتم نقلها إلى فضاء دولي أوسع ويفتح أيضاً فرصاً جديدة. خاصة في ظل تراجع الثقة في سردية الاحتلال الإسرائيلي وداعميه التقليديين.

لذلك مثل هذه المؤتمرات، تكمن أهميتها في أنها تعيد ترتيب الأولويات والتأكيد على البعد الأخلاقي، وتكشف انتهازية الحكومات والمسؤولين الرسميين، في محاولة للضغط على الدول للانصياع للعدالة. في ظل ما يعانيه النظام الدولي من ازدواجية معايير بغيضة. للعمل على رفع فعالية أي تحرك قانوني مستقبلي.

في المحصلة، يعكس مؤتمر بروكسل 2026 تداخلا معقدا بين السياسة والقانون وعنوانه تحقيق العدالة. فهو ليس مجرد حدث عابر، بل مؤشر على تحولات أعمق في النظام الدولي، ويمكن البناء عليها. وبين الزخم المصاحب للمؤتمر وحدود الإلزام القانوني. يبقى السؤال مفتوحاً متى سُترفع المعاناة عن سكان القطاع المحاصر؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!